ومضى البرجونثالث يطوي على صهوة أحلامه طريق الزمن: ها هو الآن في غضارة الشباب في أصيل يوم من أيام الصيف، والمرج الأخضر يمتد بين عينيه، وأشعة الشمس المنحدرة إلى المغيب تصبغ بلونها البرتقالي قمم أشجار القسطل، والبرجونثالث في ظل الشجر يرفع قنينته الجلدية إلى فيه، فينصب منها النبيذ الأحمر إلى حنجرته اليابسة، ومن حوله أسرة بيري ايبانيت: الأبوان والفتيات الثلاث، وحفيف الريح بين الأغصان وعلى العشب الضارب إلى الصفرة يعزف لحنا في صفرة الذهب وصفاء البلور، كما لو أن النجوم وهي ما زالت في أكنافها الخفية أقبلت تهدي الأرض أغنية سماوية قبل أن تطلع من مشارقها على المروج الخضر.
ـ 4 ـ
وفجأة سادت الظلال صورة الحلم، كما لو أن الساحرات اللاتي يغزلن خيوط الأحلام قد وقعت إليهن لفافة من الخيوط السود، فإذا بالبرجونثالث يرى الفراغ وقد ساده الظلام، وإن كان بصيص من النور الشاحب ما زال هناك في قاع الصورة، وبدا البيت مهجورا، والموقد مطفأ خامد الجمرات، ولكن الفأس اللامعة المتوهجة ما زالت في مكانها على الحائط.
ثم تلوثت الصورة مرة أخرى في بطء وتتشاتل، فالنور يتسلل مرة أخرى فيملأ الفراغ المظلم، وها هو ذا يرى ثلاثة أطفال يلعبون على باب الدار، وأمهم تراقبهم عن كتب وفي يديها لوب تخيطه، وعلى فمها ابتسامة تشرق بين حين وآخر، وأصغر الأطفال يبتعد قليلا، بينما يظل أخواه منصرفين لبعض شأنهما، ثم لا يلبث أن يحط بينهما غراب أسود لامع الريش نافذ النظرات.
وتسائلهم أمهم:
ـ ماذا تفعلون يا بني؟
وينظر الأطفال بعضهم إلى بعض ولا يحيرون جوابا وتعود الأم للكلام:
ـ اصعدوا إلى الجبل، والتولي بحزمة من الحطب.
وينطلق الأطفال، ولكن أصغرهم يظل في مكانه لم يلتفت بوجهه إلى أمه، وهي تناديه فيعود إلى حيث كانت جالسة، بينما ينطلق أخواه إلى الجبل.
ومرة أخرى يبدو البيت .. البيت المهجور، والموقد الخامد الجمرات، وعلى الحائط ما زالت الفأس اللامعة المتوهجة.
ويعود الصبيان من الجبل، وعلى ظهرها حزم الحطب والتبن، والبرجونثالث يحد النظر إليهما فيتبين فيهما ابنيه الكبيرين، وها هو ذا يرى الأم تشعل القنديل، والولد الأكبر يلقي في الموقد بالحطب وأخشاب الجدوع، وينفخ في النار، ويسمع للخشب صرير، ولكن النار لا تكاد تشتعل حتى تخمد وتنطفئ، وتظل دار البرجونثالث باردة لا يسري إليها الدفء، وفي ضوء القنديل الخافت تلمع صفحة الفأس المتوهجة وهي متدلية على الحائط، ولكنها تبدو الآن كما لو كانت تقطر دما.
ـ ابناه، إن النار لا تشتعل في الموقد، فالحطب مازال مبللا بالماء.
ويأتي الابن الأوسط، وينفخ في الحطب معالجا إشعال النار بدوره، ولكن الموقد يظل باردا خامد الجمرات.
ثم يتقدم الأصغر، فيلقي على النار بحفنة من التبن، ولا ينفخ فيها حتى تنطلق ألسنة اللهيب الأحمر تشع الدفء في المكان، وتبتسم الأم في غبطة، ويأخذ الأب ابنه بين ذراعيه، ويجلسه على ركبته إلى يمين الموقد:
ـ بارك الله فيك يا بني، فأنت أو ولدي وأقربهم إلى قلبي وإن كنت آخرهم ميلادا وأصغرهم عمرا، لتكونن والله خير من انحدر من صلب أبيك، فقد ساق الله الدفء إلى هذه الدار على يديك.
واكفهر وجه الأخوين، وعلتهما وجمة وشحوب كشحوب الموت، ورآهما البرجونثالث في حلمه وهما يترويان إلى ركن من أركان البيت، والفأس في يد أكبرهما تشع لمعانا هائلا رهيبا ..