تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأنعم به من اعتقاد يطهر النفوس الإنسانية من رذيلة الجبن، وهو عائق للمتدنس به عن بلوغ الكمال في طبقته أيا كانت.

ولسنا ننكر أن هذه العقيدة قد خالطها في نفوس بعض العامة من المسلمين شوائب من عقيدة الجبر.

وربما كان هذا سببا في رزينتهم ببعض المصائب التي أخذتهم بها في الأعصر الأخيرة، ورجاؤنا في الراسخين من علماء العصر أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة مما طرأ عليها من لواحق البدع مذكرين العامة بسنن السلف الصالح، وما كانوا يعملون في هذا السبيل من أعمال صادقة طهرت النفوس من رجس الخرافات والتضليل أمثال أبي حامد الغزالي ممن بان التوكل والركون إلى القضاء إنما طلبه الشرع منا في العمل لا في البطالة والكسل، (أعقلها وتوكل) وما أمرنا الله أن نهمل فروضنا وننبذ ما أوجب علينا بحجة التوكل عليه، فتلك حجة المارقين عن الدين، ولا برقاب أحد من أهل الدين الإسلامي الحنيف في أن الدفاع عن الملة في هذه الأوقات صار من الفروض العينية على كل مؤمن مكلف، وليس بين المسلمين وبين الالتفات إلى عقائدهم ألحق التي تجمع كلمتهم وترد إليهم عزيمتهم وتنهض غيرتهم لاسترداد شأنهم الأول إلا دعوة خير من علمائهم، وأن جميع ذلك موكول إلى ذمتهم.

أما ما زعموه في المسلمين من الانحطاط والتأخر فليس منشؤه هذه العقيدة (ولا سواها من باقي العقائد الإسلامية) نعم حدث للمسلمين بعد نشأتهم نشوة من الظفر، ونمل من العز والغلب، وفاجأهم وهم على تلك الحال ـ صدمتان قويتان: 1) صدمة من طرف الشرق وهي غارة التتر من جيليزخان وأحفاده، 2) صدمة من جهة الغرب ـ وهي زحف الأمم الأروبية بأسرها على ديارهم، وإن الصدمة في حال النشوة تذهب بالرأي وتوجب الدهشة والسبات بحكم الطبيعة وبعد ذلك تداولتهم حكومات متنوعة ووسد الأمر فيهم إلى غير أهله ممن لا يحسن سياسة وكان الحكام والأمراء منغمسين في جرائم الفساد وميعة الأخلاق وانحلالها، فكان ذلك بالطبع مجلبة للشقاء والبلاء، وذلك ما فتح الطريق لتمكين الضعف من نفوسهم، وقصرت أنظار الكثير منهم على ملاحظات الجزيئات وأخذ كل بناصية الأخر يطلب له الضرر، ويلتمس له السوء من كل باب لا لعلة صحيحة ولا داع قوي، وجعلوا ذلك كله ثمرة الحياة ـ قال الأمر بهم إلى الضعف والانحلال مؤدبا بطبيعة الحال ما عليه.

والحق أن هذه الملة لن تموت ما دامت هذه العقائد، أخذت مأخذها من قلوبهم، ورسومها تلوح في أذهانهم، وحقائقها متداولة بين العلماء الراسخين منهم على الأخص، وكلما عرض عليها من الأمراض النفسية والاعتلال العقلي، فلا بد أن تدفعه قوة العقائد الحق، ويعود الأمر كما بدا وينشطوا من عقالهم، ويذهبوا مذاهب الحكمة والتبصر في إنقاذ بلادهم، وإرهاب الأمم الطامعة فيهم وإيقافهم عند حدها، وما ذلك ببعيد.

والتاريخ وحوادثه المسجلة شرقا وغربا تؤيد هذه الحقيقة على طول الخط ـ فهؤلاء العثمانيون الذين نهضوا بعد تلك الصدمات القوية (حروب التتر، والحروب الصليبية) وساقوا الجيش إلى أرجاء العالم، واتسعت لهم ميادين الفتوحات، ودوخوا البلاد، وأرغموا ألوف الملوك، ودانت لسلطاتهم الدول الإفرنجية حتى كان السلطان العثماني يلقب بين الدول بالسلطان الأكبر.

وهؤلاء المرابطون الكماة بعد ما استغاث بهم إخوانهم أبناء الفردوس المفقود عند ما تكالب عليهم العدو وأحاط بهم من كل جانب ـ لبوا النداء. وفلوا شوكة المناوئين، وأعادوا للإسلام قوته وجدته بتلك العقيدة الفطرية التي تجلى إيمانها الصادق في نفوس رجال الموحدين، كان الانتصار في غزوة الأرك الحاسمة بنفس الأندلس. كما كان مثلها على عهد الأشراف السعديين يوقعه «وادي المخازن».

إنها لعقيدة راسخة دعامتها ـ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف.

نعم ما دامت الأمم الإسلامية تنظر إلى أمثال هؤلاء الأمجاد المسلمين بعين ملؤها العزة والكرامة وتجعل نصب أعينها صبح مساء ما كانوا عليه طوال حقب مضت كلها شرفا وانتصارا إلا وهي صلة وصل لذلك المجد الشامخ والتراث الخالد ـ تراث الشهامة والأقدام والفوز في كل ميدان خلده التاريخ الذهبي لأبناء الإسلام الأول الذين ملأت نفوسهم عقيدة القضاء والقدر.

الرباط ـ عبد الله الجراري

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٢٢