تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعتقادهم بالقضاء والقدر وتحويل جميع مهماتهم على القدرة الإلهية، وحكموا بأن المسلمين لو داموا على هذه العقيدة ـ لن تقوم لهم قائمة، ولن يعتزوا ولن يعيدوا مجدا وينالوا حقا وبالطبع يعجزون عن دفع الضيم والظلم، ولا يزال بهم الضعف فاعلا أفاعيله في نفوسهم راكسا من طباعهم حتى يفضي بهم في النهاية إلى الفناء.

ويعتقد أولئك أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبرية ـ القائلين بأن الإنسان مجبور في جميع أفعاله ما يأتي منها وما يذر، وتوهموا أن المسلمين بعقيدة القدر يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح، كيف شاءت، ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا اختيار لهم في قول ولا عمل، ولا حركة ولا سكون، وإنما جميع ذلك بقوة جابرة، وقدرة قاسرة ـ فلا ريت تتعطل قواهم، ويفقدون تمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب وما كان أجدرهم بعدها أن يحالوا من عالم الوجود إلى عالم العدم.

هكذا ظنت طائفة من النصرانية وانتحل مذهبها كثيرون من ضعفاء العقول ـ إنه لظن كاذب وخطأ وأهم وافتراء على الله والمسلمين ـ فقد لا يوجد اليوم مسلم يدين بالحنيفة السمحة سنيا كان أو شيعيا أو زيديا أو وهابيا أو خارجيا يرى مذهب الجبر المحض، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة بل كل من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزءا اختياريا في أعمالهم يدعى الكسب وهو مناط الثواب والعقاب عند الجميع، وإنهم محاسبون بما وهبهم الله من هذا الجزء الاختياري ومطالبون بامتثال الأوامر، واجتناب جميع النواهي، وإن هذا النوع من الاختبار هو مورد التكليف الشرعي وبه تتم الحكمة والعدل.

ومعلوم أنه كان بين المسلمين طائفة تسمى الجبرية ـ ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل والمضغ وبين أن يتحرك برعدة البرد وزمهرير قره ومذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة، نعم انقرض أصحاب هذا المذهب أواخر القرن الرابع الهجري ولم يبق لهم أثر.

وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد كما ظنه الواهمون من ضعفاء الفكر.

إن الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع بل نرشد إليه الفطرة، ويسهل على كل من له فكر سليم أن يلتفت إلى كل حادث له سبب يقارنه في الزمان، وإنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه، ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها، وإن لكان منها مدخلا ظاهرا فيما بعده بتقدير العزيز العليم، وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة، وليست الإرادة إلا أثرا من آثار الإدراك، والإدراك انفعال النفس بما يعرض على الحواس وشعورها بما أودع في الفطرة من الحاجات فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره أبله فضلا عن عاقل، وإن مبدأ هذه الأسباب التي ترى في الظاهر مؤثرة إنما هي بيد مدبر الكون الأعظم الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته وجعل كل حادث تابعا لشبهه كأنه جزء له خصوصا في العالم الإنساني.

ولو فرض أن هناك جاهلا ضل عن الاعتراف بوجود إله صانع العالم فليس في إمكانه أن يتملص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية، والتأثيرات الدهرية في الإرادات البشرية فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السنة التي سنها الله في خلقه؟

هذه حقيقة يعترف بها طلاب الحقائق فضلا عن الواصلين من أبناء الثقافة، وأن بعضا من حكماء الأجانب وعلماء الساعة منهم التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء، وأطالوا البيان في إثباتها.

ولا نذهب بعيدا ما دام للتاريخ علم عني بالبحث فيه العلماء من كل أمة باحثين عن سير الأمم في صعودها وهبوطها وطبائع الحوادث العظيمة وخواصها وما ينشأ عنها من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان وما يتبع ذلك كله من نشأ الأمم وتكون الدول أو فناء بعضها واندراس أثره، هذا فن التاريخ الذي عد من أجل الفنون الأدبية وأكبرها فائدة بني البحث فيه على الاعتقاد بالقضاء والقدر والإذعان بأن قوى البشر في فيضة مدبر للكائنات ومصرف للحادث ولو استقلت قدرة البشر بالتأثير ما انحط رفيع ولا ضعف قوي.

ولا انهدم مجد، ولا تقوض سلطان.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٢٠