دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 .................... ص34
أسرار الصيام الروحية والمادية
للأستاذ: محمد المنوني
طبيعة التشريع الإسلامي انه لا يدعو لعمل إلا لما فيه مصلحة عائدة علينا، ولا يحذر من شيء إلا لمضرة لاحقة بنا.
أطردت هذه الخاصية في مسائل التشريع الإسلامي، وتناثرت إزاء قضايا العبادات والمعاملات، والأحوال الشخصية، والجنايات.
وإذا حاولنا في هذه العجالة أن نقدم نموذجا واحدا لهذه القاعدة، فلا غنى لنا - وهي نكتبه في شهر رمضان - أن تنتزعه من الظروف التي يكتب فيها، وان تجعله يتناول جملة من أسرار هذا الصيام الذي يغمر المسلمين في أرجاء العالم الإسلامي.
ولا شك أن الغاية الأولى من تشريع هذه الشعيرة: هي تربية نفس المؤمن على الاستقامة في شهر رمضان، وتدريبه على هذه الخصلة الكريمة بعد رمضان، وتمرينه عليها في حياته كلها، وأحواله جميعها، حتى يكون - في حياته الخاصة - إنسانا كاملا، وفي المجتمع الإنساني عضوا نافعا.
هذه هي حكمة الصيام التي يبشر بها الإسلام في هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون .. )
فهذه الآية الكريمة تبين أن الغاية من صيام رمضان تربية المسلم على التقوى، وتعويده المواظبة عليها. وقد وضح هذه الحكمة غير واحد من فقهاء التشريع الإسلامي فقال الفخر الرازي في تقرير الوجه الأول لتفسير تلك الآية: ((أنه - سبحانه - بين بهذا الكلام: أن الصوم يورث التقوى، لما فيه من إنكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهون لذات الدنيا، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين، وخفت عليه مئونتهما، فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى)).
وكما يفسر الرازي آية الصيام بهذا الوجه كذلك يشرح به البيضاوي حديث ((من لم يدع قول الزور والعمل به)) ويقول:
((ليس المقصود من شريعة الصوم نفي الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة، للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول)).
ولمكان هذه الغاية السامية من الصيام، يتوجه الرسول -صلوات الله عليه وآله- إلى الصائم فيرشده إلى الابتعاد عن المخالفات أثناء صومه، وينصحه في هذه الكلمات النبوية الغالية:
((الصيام جنة، فإذا كان احدهم صائما فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين)).
ولنفس الغاية يعظم الرسول (ص) أن يتعمد الصائم مخالفة أو يرتكب إثما، ويندد بمن ينحرف عن هذه الجادة في الصيحة التالية: ((من لم يدع قول