يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
ولما كان الإسلام لا يفرق بين الدولة والدين، فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم من خرج من الإسلام خائنا الخيانة العظمة، ناقضا للعهد، محاربا لدولته وشعبه، فهو يستحق القتل، قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية، المحاربة هي المضادة والمخالفة. وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل. وروى البخاري ومسلم عن انس بن مالك أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله (ص) فقال، ألا تخرجوا مع راعينا في ابله فتصيبوا من أبوالها وألبانها، فقلوا بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فقتلوا الراعي وطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله (ص) فبعث في آثرهم فأدركوا، فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا. وهذا لفظ مسلم
شرح الحديث:
قوله، ألا تخرجوا مع راعينا في ابله، بينت الروايات الأخرى أن أولئك الرجال الثمانية الذين جاءوا إلى النبي من قبيلة عكل أظهروا له الرغبة في الإسلام فاسلموا وبايعوا النبي، وكانوا مرضى، منتفخة بطونهم من داء البطن فاجتووا المدينة، أي استوخموا هواءها ورأوه رديئا لا يوافق صحتهم، وشكوا على النبي (ص) ذلك فأذن لهم في الخروج من المدينة إلى الأرض ذات هواء طيب وبعث معهم لقاحا وراعيها، وفي رواية وراعيها، واللقاح هي النوق الحلائب ذات الألبان. وأمرهم أن يشربوا من أبالها وألبانها. إنما شربوا من أبوالها، لان العرب تعتمد أن بول الإبل يشفي من داء البطن. فلما صحت أجسامهم وخمصت بطونهم، أي ذهب ما بها من الانتفاخ سمروا أعين الرعاة، أي ادخلوا فيها المسامير حتى عميت. وفي رواية، ادخلوا فيها الشوك، ثم قتلوا الرعاة وساقوا الإبل، فلما بلغ الخبر النبي (ص) أمر مناديا أن ينادي يا خيل الله اركبي، فركب عشرون فارسا وساروا في طلبهم فأدركوهم وجاءوا بهم إلى النبي (ص) فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، أي إدخال المسامير فيها، والقو في الشمس وبقوا كذلك حتى ماتوا. وهؤلاء تعددت جرائمهم، خرجوا من الإسلام ونقضوا العهد وقتلوا النفوس البريئة التي كانت تحمل إليهم اللبن وتخدمهم ونهبوا الإبل، فكان جزاؤهم شديدا ليكونوا عبرة لغيرهم من الأعداء الغادرين. والجزاء من جنس العمل. واختلف العلماء في أنواع العقاب المذكورة في الآية. فقال كثير منهم، الخيار في ذلك أمام المسلمين، أي الخليفة أو نائبه، إن شاء قتلهم وإن شاء صلبهم بعد قتلهم، وإن شاء اكتفى بنفيهم. وقال آخرون، ان كانوا مرتدين عن الإسلام أو قاتلين أنفسا بريئة فلا بد من قتلهم. وان كانوا لصوصا اقتصروا على نهب المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي تقطع يد من جانب ورجل من الجانب الآخر. وإن لم يفعلوا شيئا من ذلك، بل أخافوا الناس وبثوا الفزع ينفون من الأرض، أي من أرضهم مدة من الزمان كافية لتأديبهم.
ذكر أحاديث آخري في هذا المعنى
قال الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم، في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم ص. 86 أخرج مسلم عن عائشة مثل حديث ابن مسعود. أي قول النبي (ص) لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث إلى آخره وقد تقدم. وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عثمان عن النبي (ص)، لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس، وفي رواية للنسائي، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل. وقد روي هذا المعنى عن النبي (ص) من رواية ابن عباس وأبي هريرة وانس بن مالك وغيرهم. وقد أطال ابن رجب في تفاصيل الأقسام الثلاثة المذكورة في حديث ابن مسعود، ونقل نصوصا كثيرة من الأحاديث المرفوعة إلى النبي والموقوفة على الصحابة، وذكر كذلك اختلاف الأئمة في بعض المسائل التي ورد فيها الحكم بالقتل على أنواع أخرى من المجرمين، كالجاسوس المسلم يتجسس على إخوانه المسلمين لأعداء الدين، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن زنى بامرأة من محارمه، وتارك الصلاة، والساحر، واللص وغيرهم، ولم انقل شيئا من ذلك، لأنه خارج عن موضوع السؤال. ثم قال ابن رجب في ص. 91. وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة، فمعناه الإرتداد عن دين