وقد حث الإسلام على الزهد والتقشف والقناعة، ولم يتقلل الرسول وخلفاؤه من بعده في أطعمتهم وملبوسهم فقرا ولا عجزا عن أطيب لباس وأشهى مطعم، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك مساواة لفقراء الرعية، ومن آداب الإسلام البساطة والاعتدال، والعفو والشفقة والرحمة والجود، والكرم والوفاء بالعهد، وصلة ذوي القربى وغيرها من الآداب العالية، كالاستئذان إذا دخل شخص بيتا غير بيته، فلا يدخله إلا سلم على أهله أذن له، فإذا لم يجد فيه أحدا، فإنه لا يجوز له أن يدخله حتى يؤذن له أيضا.
كما أمر الإسلام برد التحية بمثلها أو بأحسن منها، وأمر الرجال والنساء بغض الطرف، والنساء بالا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن، أو أبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن، أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الأربة (أي الحاجة) من الرجال أو الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن.
كذلك حرم الإسلام الخمر والميسر والزنا وغيرها من الرذائل، فأين هذا من بعض نواحي الغرب الاجتماعية التي تبعد عن تقاليد الإسلام الصالحة وعن مقومات حياتنا الاجتماعية كما رسمها الإسلام وبنى عليها فلسفة صالحة في الحياة، لقد بدأنا نحن معشر المسلمين نقطن إلى سوء تأثير الحضارة الغربية التي استهوتنا منذ القرن التاسع عشر وأفسدت علينا كثيرا من تقاليدنا الصالحة، وأثارت في نظامنا الاجتماعي فأخذنا نخلع عن أنفسنا بعض مظاهر هذه الحضارة التي لا تتفق وتقاليدنا وما يحث عليه الدين الإسلامي الحنيف.
والآن انتقل إلى الكلام عن الأسرة، وعن نظام الرقيق الذي يمدنا بمثل رائع من أمثلة الديمقراطية الإسلامية والحرية والعدالة والإخاء التي ينعم بها المسلمون.
عنى الإسلام بالأسرة وشرع الزواج والطلاق وفرض النفقة للزوجة على زوجها وللابن على أبيه، وللأب على ابنه وسمى عقد الزواج ميثاق غليظا ووصفه بأنه علاقة مودة ورحمة، وجعل للزوجة على زوجها المهر والنفقة، ونهى عن الزواج بالمشركات، وحرم التزوج بالأم والأخت ومن يشبههما.
وأباح الإسلام التزويج بأكثر من واحدة إلى أربع، ولكنه أشرط العدل بينهن كما جاء من سورة النساء: «وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» كما بين الإسلام أن العدل بين النساء من أصعب الأمور، فقال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل».
وقد لج غير المسلمين في إباحة الإسلام تعدد الزواج، وفاتهم أن هذا خير طريق للإكثار من النسل، وخاصة في زمن الحرب، أو في البيئات التي تحتاج على كثرة الأيدي العاملة كالبلاد الزراعية، وكان الرسول الكريم يعلم أن المسلمين في عهده، مكلفون بالجهاد في سبيل الدعوة، فزواج بعض العرب بأكثر من واحدة كفيل بأن يعوض على المسلمين، ما يفقدونه في جهادهم ويعوض الكثير من النساء عن أزواجهن الذين فقدوا في الحرب، وهو سبيل لتلافي زيادة عدد البنات اللاتي بلغن سن الزواج ولم يتزوجن.
أضف على ذلك أن المرأة قد تكون عاقرا أو مصابة بمرض، ولكن مصلحتها تقتضي بقاءها مع زوجها، على أن الإسلام، وان كان قد أجاز التزويج بأكثر من واحدة قد أجازه بشرط ليس من اليسير تحقيقه على أكمل وجه، وهو العدل بين الزوجات، ومع ذلك فإننا نرى من النادر أن يتزوج المسلم بأكثر من واحدة، ولاسيما في هذا العصر الذي ينوء فيه الزوج بأعباء أسرته.
وقد اتفق فقهاء المسلمين على النهي عن الطلاق، عند استقامة الزوجين، ونهى الرسول عن الطلاق في قوله: «لا ضرر ولا ضرار» وفي الحديث الشريف: «إن ابغض الحلال عند الله الطلاق» أما إذا تباينت الأخلاق وتفاقمت البغضاء جاز الطلاق، وقد نصح الإسلام أن يعرض الرجل ما بينه وبين زوجه من خلاف، على حكمين من أهله وأهلها رجاء التوفيق، كما جاء في سورة النساء: «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما».
من ابرز مظاهر الإسلام، انه آخى بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم واحل الوحدة الدينية، محل الوحدة القومية، فأصبحوا متساوين جميعا، وغدوا كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأصبح المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى، وليس