يشير بهذا إلى مارية القبطية التي أهداه إياها المقوقس حاكم مصر من قبل إمبراطور الروم، فولدت له ابنه إبراهيم، وقد روى أن آخر ما تكلم به الرسول أنه قال: «أحفظوني في ذمتي».
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه مر على باب قوم عليه شيخ ضرير يسائل، فقال له: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فاخذ عمر بيده وذهب إلى منزله وأعطاه شيئا منه، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر إلى هذا وأشباهه فوالله ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين، وهذا من مساكين أهل الكتاب، ورفع أمير المؤمنين الجزية عنه وعن أشباهه. وهذا أبو يوسف قاضي هارون الرشيد ومؤلف كتاب الخراج، يكتب إليه والدولة العباسية في أوج عزها، فيقول: «قد ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم بالرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد (ص) والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم، إلا بحق يجب عليهم.
من هذه الكلمة تتبين أثر الإسلام في الحضارة الإنسانية، من حيث تشريع العبادات، والاعتقاد بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ومن حيث اعتراف الإسلام بالأديان والأنبياء، والكتب السماوية الأخرى، ومن حيث نظرة المسلمين لأهل الكتاب نظرة إخاء ومودة ومحبة، وإذا كان الإسلام قد اعتبر أهل الأديان الأخرى أهل كتاب، واعترف بالأديان والأنبياء والكتب السماوية، ونظر لأهل الكتاب نظرة إخاء ومودة ومحبة، فلماذا أمر الإسلام بقتال أهل الكتاب برغم ما عرف به هذا الدين الحنيف من مثل عليا وأدب رفيعة ومبادئ سمحة؟.
على أننا نرى قبل الإجابة على هذا السؤال أن نسأل: هل نرى أهل الأديان الأخرى يقابلون هذا النبل الإسلامي وهذا التسامح الديني، فيعترفون بالإسلام ونبي الإسلام، ومبادئ الإسلام السمحة، وحضارة الإنسانية الرفيعة؟.
الواقع أن اليهود ينكرون كلا من المسيحية والإسلام، وان المسيحية الحديثة تضع المسلمين في مرتبة واحدة مع الوثنيين، وهم يجهلون أن الإسلام دين توحيد، بل أنهم يزعمون أن المسلمين، أو المحمديين كما يسمونهم، يعبدون محمدا. وبينما ينظرون المسلمون إلى الكنيسة أو العبد على أنه بيت الله، ينظر اليهود والمسيحيون إلى المسجد على أنه معبد وثني، ولعل هذا الزعم يرجع إلى نشاط المبشرين، ولا سيما في المناطق المسيحية والوثنية في إفريقيا، الذين يحاولون إدخال المسلمين والوثنيين في حظيرة المسيحية، وهذه النظرة المغرضة إلى الإسلام لا تساعد على دراسة المبادئ الإسلامية دراسة بريئة خالية من الغرض.
ولقد زعم بعض هؤلاء المغرضين أن الرسول الكريم أكره الناس على قبول الإسلام، ولكن هذا الزعم لا يتفق مع صريح قوله تعالى في سورة البقرة: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي».
وقد أذن للمسلمين للجهاد، أو القتال في سبيل الله، في آيات بعضها نزل بمكة وبعضها نزل بالمدينة، وقد أذن الله بالقتال لأمور منها:
1) الدفاع عن النفس. وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن لا يعتدوا على غيرهم، وإنما يقاتلون من يعتدي عليهم، كما أمرهم أن يكفوا عن قتال عدوهم إذا طلب الصلح فقد جاء في سورة البقرة: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .. » «فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم».
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلوا وأن الله على نصرهم لقدير» «الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولون ربنا الله». وجاء في سورة الأنفال «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون، وأن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم».
2) وكذلك أذن للمسلمين بالقتال لتأمين الدعوة الإسلامية والدفاع عنها أمام من يقف في سبيلها فقد جاء في سورة التوبة: «فليقاتل في سبيل الله الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فليقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما».