«الجزائر المأساة» في عفوية فنية لا تترك مجالا لطرح الأسئلة النقدية التقليدية: هل يتحتم على الأديب أن يلتزم؟ أم تعطى له حرية الاختيار؟ إلخ .. فقد وجد وسط المعركة، ومن معينها استقى إطاره وأفكاره متحملا كل المسؤوليات المنوطة بالفنان من حيث توفير الشكل وإنمكانيات التعبير .. ويحدد «كاتب ياسين» مشكلة الشاعر قائلا:
«إن مأساة الشاعر تكمن في أن يوجد مرتبطا بخدمة معركة ثورية، وهو الذي لا يستطيع ولا يجب، أن ينتج من وحي مظاهر يوم واحد .. إن الشاعر هو الثورة في وضعها العاري، وهو الحركة ذاتها للحياة في انفجار مستمر .. »
ولكن هذا التعارض بين ذاتية الفنان وروح الجماعة، يمكن التغلب عليه إذا ما عرف الأديب كيف يصنع من فنه مزمارا يعزف «ألحان المجموع» في غنائية لا تخلو من ذاتية متميزة ..
والواقع أن «كاتب ياسين» حقق هذا الهدف في مسرحيته الأخيرة «المرأة المتوحشة»، فموضوعها مستقى من ملحمة الثورة الجزائرية، بما فيها من تضحية ودماء ومآسي وشكلها شعري، ملغم بالإيحاءات والتوترات الخصبة .. ربما لا تعثر في المسرحية على قصة مليئة بالحوادث، وإنما هي صورة مسطحة تجمع لحظات مكثفة مشحونة بالانفجارات .. انفجارات رصاص وقنابل الثوار، وانفجارات المشاعر العنيفة في قلوب المشاهدين .. حقا كم كان الثمن باهظا ذلك الذي بذله أبناء الجزائر لاسترجاع كرامتهم!.
لنستمع إلى حد أبطال «المرأة المتوحشة» يردد في مرارة وصدق:
ـ « .. لكن الآن تغير كل شيء .. لم يبق لنا إلا أن نتحمل العبء. لعل هذا عدل، لأننا كنا نريد أن نقتص بدم الأبرياء .. أن قنابلنا تمزقنا .. ولعل هذا عدل .. لكن ليس لنا أن نختار الوسائل، لأن الواحد منا يقاتل ألفا .. »
إن «كاتب ياسيين» لا يهتم بأن يجذب القارئ أو المشاهد، عن طريق أحداث مترابطة .. بل يكتفي بأن يعرض شخصيات متمايزة لكل منها أبعادها وردود فعلها ..
هناك المجاهدون، ونجمة المرأة التي تبحث عن كرامتها المداسة عبر المعركة الثورية .. و «مارك» صاحب البار .. ومرغريت التي تتعاون مع الثوار لأنها آمنت بعدالة قضيتهم .. هذا هو الإطار .. ومن خلال الحوار، وتدخلات الجوقة، نشرف على أغوار هذه الشخصيات التي تعكس لنا فترة حاسمة من حياة شعب الجزائر ..
ولا جدال في أن البناء المسرحي «للمرأة المتوحشة» يستحق دراسة نقدية مفصلة لإظهار خصائص هذا الأسلوب الشعري الغنائي، وامتزاجه بالحدث المختار، للتعبير عن «أفكار خطيرة». ذلك أن «الأفكار الخطيرة» كثيرا ما تحول العمل الفني إلى منبر للخطابة والدعاية الوقتية إذا لم تتح لها رؤية فنية عميقة .. وقد استطاع «كاتب ياسين» أن يحقق لمسرحيته كل عناصر النجاح ... وهو يستعد بعد تمثيلها في باريس، أن يعرضها في نفس المكان الذي جرت فيه حوادث المسرحية بالجزائر .. فهل يمكن أن يحظى المغرب بمشاهدة هذه الرائعة المسرحية؟
ذلك ما نأمل أن يتنبه إليه المسؤولون عن المسرح في بلادنا ..
الرباط: محمد برادة