يأتون لزيارتها، على أمل أنهم سيقنعونها بأن تسمح لهم بأخذ الجثة. وحينما هموا بالالتجاء إلى القوة والقانون، استسلمت. وعلى أثر ذلك دفنوا والدها بمنتهى العجلة.
وحينئذ لم يقل أحد بأنها مجنونة: لقد كنا نعتقد بأن ما فعلت هو ما كان يجب أن يفعل في مثل هذه المناسبة، لأننا نعلم بأنه من الطبيعي، بعد ما فقدت كل شيء، أن تتشبت بوالدها، كما يفعل سائر الناس.
ولزمها المرض مدة طويلة. وحينما رأيناها من جديد، كان شعرها قصيرا، مما كا يجعل مظهرها يشبه فتاة أو ملاكا من الملائكة المرسومة على زجاج الكنائس: إنه شيء يمتزج فيه الهدوء بالمأساة.
لقد أبرمت المدينة منذ عهد قريب، تعاقدا من أجل تبليط الأرصفة. وفي الصيف الذي تلا وفاة والد الآنسة إميلي ابتدأ العمل. وجاءت شركة الإنشاءات مع الزنوج والبغال والآلات، ومع متعهد أعمال اسمه هو مربارون، وهو أمريكي من الشمال، كبير الجثة، أسمر اللون، صارم في رأيه، غليظ الصوت، وعيناه أكثر صفاء من لون بشرته. وكان الأطفال يترسمون خطاه لكي يسمعوه حينما يسب الزنوج، أولئك الزنوج الذين لا ينقطعون عن ترديد الإغاني وهم يرفعون الفؤوس ويهوون بها إلى الأرض. وسرعان ما تعرف على سائر الناس في المدينة. وكلما سمع الناس ضحكات عالية تتعالى في ساحة المدينة، إلا وكانوا متأكدين أن هو مر بارون موجود في وسط المجموعة. وبعد مرور أيام قلائل، أصبح الناس يشاهدونه في أوقات الظهر من يوم الأحد مع الآنسة إميلي، على عربة مكرية ذات دواليب صفر، يجرها فرسان.
وفي البداية شعرنا بالغبطة حينما شاهدنا الآنسة إميلي قد أصبحت تعير اهتماما للحياة.
أما السيدات فقد أصبحن يقلن:
ـ من الطبيعي أن المرأة التي تنتمي إلى أسرة جريرسن لا يمكن أن تكون جادة في علاقتها مع رجل من الشمال يشتغل باليومية.
ولكن كان هناك ءاخرون أكبر سنا يقولون بأن المصائب لا ينبغي أن سيدة جديرة بالاحترام بأن نبل الأصل يفرض على الإنسان واجبات. هذا مع العلم بأنهم لم يكونوا يعترفون لها بنبل الأصل.
وكانوا يكتفون بالقول:
ـ مسكينة .. الآنسة إميلي .. يجب على أقاربها أن يساعدوها.
لقد كان لها أقارب في مقاطعة الاباما، ولكن والدها كان فيما مضى قد تخاصم معهم بسبب وراثة السيدة العجوزة وأيت المجنونة. وانقطعت الأسرتان منذ ذلك الوقت عن تبادل الزيارات. وفي اليوم الذي شيعت فيه الجنازة لم يحضر منهم أحد.
وبمجرد أن بدأ الناس يقولون: مسكينة .. الآنسة إميلي .. منذ ذلك الوقت بدأوا يتناقلون حديثا مكتما فيما بينهم:
ـ ماذا .. هل أنت متأكد أن ..
ـ طبعا، طبعا. وإلا فما هو السبب في أن ..
ويضع الناس راحة اليد أمام الفم تكتما. وفي أوقات الظهر من أيام الأحد المشمسة تتطلع السيدات من وراء النوافذ المغلقة بفساتينهن المصنوعة من الحرير والساتين، لمشاهدة العربة التي يجرها فرسان والتي تمر سريعة ومدوية. مسكينة، الآنسة إميلي ..
كانت دائما ترفع رأسها عاليا، بل حتى في الأوقات التي كنا نعتقد أنها قد بلغت الحضيض. وكان يخيل إلينا أنها تطالبنا بأن نعترف لآخر عضو من أعضاء أسرة جريرسن بالكرامة.
إن هذا الضعف الإنساني في طبيعتها كان يجعلها بالنسبة إلينا أكثر غموضا. ومثال ذلك حينما ذهبت لتشتري السم الذي يقتل الجرذان أي الزرنيخ.
لقد حدث ذلك بعد مرور عامين على اليوم الذي بدأ فيه الناس يقولون: مسكينة الآنسة إميلي .. وحينما كانت بنتا عمها تسكنان معها في الدار. فقالت للصيدلي:
ـ أريد شيئا من السم.
ـ طيب يا آنسة إميلي. أي نوع من السم تريدين؟ هل تريدين سما من أجل قتل الجرذان أو شيء آخر من القبيل؟ إني أنصحك باستعمال ..
ـ إنس أريد أحسن نوع يوجد عندك. ولا يهمني شيء آخر.
وشرع الصيدلي في عد بعض هذه الأنواع.