تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتشمل تفسير الأحلام وتأويل بعض الظواهر والتصرفات. وهذه التفسيرات والتأويلات، ويطغى عليها روح التشاؤم والطيرة ترجع في أصلها إما إلى طقوس ومعتقدات قد لا تعتمد على غير الخرافات والأساطير وإما إلى أحداث شاع خبرها في الناس فظلت في أخلادهم. ومن هذا القبيل ما يقال عن بعض الأشياء بأنها «ماشي مليح» كلبس الأسود من الثياب فإنه يتشاءم منه في بعض الأوساط. وأذكر أن سيدة فقدت ولدا لها في عز الشباب فعزت موته إلى استعماله حذاء أسود. وقريب من هذا ما عللت به جدتي رحمة الله عليها آلاما كانت نزلت بي من الزائدة الدودية، فقد قالت أن السبب فيها دراجة «سولكس» سوداء كان اشتراها لي والدي لانتقالي من الفصل الرابع إلى فصل الشهادة الثانوية.

ومن هذا القبيل كذلك ما يقال عندنا بأنه لا تسلف الخميرة بعد غروب الشمس، وإذا ما اضطر أحد إلى إعطائها فليعط معها قليلا من الملح حتى لا يصيبه أذى. وهي عادة لاحظتها في ريف مصر بل عثرت على تعليل لها في بعض الكتب، ملخصة أن امرأة أرادت أن تعجن الخبز فلم تجد لديها لا ملحا ولا خميرة فطلبت من جارتها أن تعيرها بعض الخميرة فأعطتها إياها. ولكن المرأة لم تلبث أن عادت إلى الجارة وقالت لها: «أعطني ملحا حتى لا تضيع بركة هذه الخميرة».

على أن من هذه التأويلات ما يطغى روح التفاؤل عليه كتفسيرهم الموت في الحلم بالحياة المديدة وطول البقاء، بل إن منها ما يقصد به إلى التربية والتهذيب كقول الأمهات للأطفال إن من أكل طعاما لا زال على نار ينزل به ظلم أو يكذب عليه.

ومن ألطف العادات التي يتفاءل بها في بعض العائلات أن يوضع في حجر الطفل يوم تربعه على «عرشه الصغير» قلم وكتاب أملا في أن يصبح طالب علم يفقه دينه ويجله الناس. وهذا بخلاف بعض البوادي التي لا تنظر لطالب العلم بعين الاعتبار إذ يشاع أن أدنى ما تتمناه المرأة لولدها هو أن يصبح فقيها، أما أن يكون «غياطا» فشيء أعظم من أن تتمناه لطفلها وأكبر.

ويتصل بهذه المعتقدات تقاليد الأكل واللبس والفراش وعادات المآتم والأفراح وأغلب الظن أن الكثير من هذه التقاليد ورد علينا من الأندلس، وخاصة ما يتعلق بألوان الأكل كالبصطيلة والإسفنج والحريرة أو ما يتعلق بالملابس كالجابذور وكسوة المحصور واتخاذ البياض لباس حزن. ويخطئ الذين يعتقدون بأن الجلباب والبرنوس أندلسيان، إذ الراجح أنهما من مخلفات عهد الرومان.

هذا عن التقاليد، وأما الفنون فالحديث عنها يقتضي منا وضع هذه الأسئلة:

ـ ما هي الفنون الشعبية؟

ـ أين توجد؟

ـ من هم أصحابها؟

ـ ما صلتها بالتراث القديم؟

وبالرغم من أني لست متخصصا في تاريخ الفن المغربي حتى أجيب على هذه الأسئلة في دقة وعمق، فسوف أحاول الإشارة إلى بعض نقاط الموضوع. وعندي أن الفنون الشعبية هي تلك التي لا تستعمل الألفاظ وإن استعملتها ففي نطاق محدود. وتشمل الآثار الشعبية التي تعتمد على الحركة والإشارة والإيقاع والعمل اليدوي الدقيق. وهي:

ـ الرقص

ـ الموسيقى

ـ الرسم

ـ الصناعة

ولكل من هذه الفنون ألوان تختلف باختلاف المناطق والجهات.

فالرقص البربري الجماعي أو ما يسمى «أحيدوس» هو غير رقص الحواضر الذي يكاد أن يكون شرقيا في طابعه. بل أن هناك لونا آخر يختلف عن هذا أو ذاك نجده في المدن والبوادي على حد سواء وهو: «التحيار» أي الرقص الذي يقوم به «الفقراء» في حلقات الذكر أو ما يسمى بـ «الحضرة» وللنساء لون من هذه الحضرات يخصهن.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٥٨