تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 23

أبحاث ومقالات: أفق الكلمة والمفهوم

للدكتور: محمد عزيز الحبابي

لا يتعدى هذا الحديث أن يكون تعبيرا عن تجارب شخصية لرجل يحترف التعليم، ويستهلك الحروف والكلمات والجمل، قراءة وكتابة.

إنني أحيا تلك التجربة منذ سنين، وسأحاول أن أجعلكم تحيونها معي هذه الليلة. إنها تجربة صراع بين ذاتيه وموضوعية. أما الذاتية فهي أنا الذي أحس وأشعر، فأدرك وأعي، ثم أحاول أن أجعل من ذلك حصيلة لتفكيري ولتأملي، وأما الموضوعية، فيجب أن تفهم في معنى خاص: يكون الشيء موضوعا إذا وقع عليه البحث أو التجربة، وبالنسبة لما نحاوله الآن، فإن وسائل التعبير هي ذاك الشيء الذي نموضعه، أي نجعله أداة وموضوعا للإدراك والتفكير والتأمل.

الكلمة والمعنى:

الإنسان حيوان يتواصل، بالطبع، مع الآخرين والكائنات والعالم. إنه حيوان مدفوع بالغريزة والتكوين العضوي إلى التعبير، فالجسم البشري يرسم تعابير في حركات تصدر عن مختلف أعضائنا، مثلا: انتفاخ الشدق، يعني (لا أبالي بتهديداتك)، أو (أنك فشار)، ولمس السبابة بالإبهام حركة يقصد منها (الدراهم)، وهز الرأس من الخلف إلى الأمام يدل على القبول (نعم)، والكلمات هي الأخرى تتصل مباشرة بالجسد، إن الألفاظ ليست أصواتا، بل أشياء تخرج من حلقومنا وفمنا، وتشارك في إيجادها الأسنان والشفتان واللسان.

هناك تعابير مستقلة عن الجسم البشري، مثل الظاهرات الطبيعية من برق ورعد وضباب وتغريد الطيور ونباح .. فكل ذلك لغة نفهمها ونستجيب لها.

ونتفاهم بلغات اصطناعية، كما في الفنون مثل التشابيه، كقولنا: (الوادي المذهب)، والصور الشعرية كما جاء في هذا البيت لمأمون الشناوي:

إني سمعتكما، إني رأيتكما

عيناك في عينه، في شفتيه، في كفيه، في قدميه ولنا لغة أخرى، ولكنها اصطلاحية، هي لغة العلوم، إنها تستعمل الصفر والأبجدية في الكيمياء والأجرومية الرياضية (*).

* * *

إن المجموعات التعبيرية تكون إما فردية أو جماعية، و

إما تعابير تتألف من الصنفين السابقين معا. يرمي التعبير إلى إحداث صورة ما وإدخالها في مجموعة منظمة من الصور، فقد يحصل تعبير بالصورة منفصلة، أو بالصورة في مجموعة من الصور، كما يحصل معنى ثالث من التصاق الصور، ويمتاز عن المعنيين السابقين. ففي البيت السابق نجد أن الصورتين الأوليتين (عيناك في عينيه) و (عيناك في شفتيه) من الصور الفقيرة المبتذلة، إذا ما اعتبرنا كل واحدة منهما على حدة، لكنهما يكتسبان خصوبة وجدة بالتحامهما، فيتجاوزان معنيهما إلى معنى ثالث ليس في أيهما منفردة، فإذا أضفنا إليهما الصورة الثالثة (عيناك في كفيه) والأخيرة (عيناك في

*) L'algorithme، علم يرجع الفضل فيه إلى الخوارزمي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٢٦