وإذا كان الرحوم الأمير شكيب أرسلان يقول في الطبعة الأولى لهذا الكتاب: « ... أن من لم يقرأ كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي ... بل إنه أولى بهذا الوصف من نفح الطيب لأنه خلاصة منحولة وزبدة ممخوضة .. »
وإذا اعترف كارل بروكلمان بأنه استفاد كثيرا من كتاب الأستاذ عبد الله كنون الذي فات بحثه في الأدب العربي ـ إذا كانت هاتان الشخصيتان العظيمتان تدليان بما للنبوغ المغربي من قيمة جليلة فما عساي أن أقول .. وبالأخص في الطبعة الجديدة التي تعد بحق أروع من الطبعة الأولى.
وبين يدي مجلد ضخم يبلغ حوالي ألف صفحة بورق صقيل وطباعة أنيقة وقد طبع هذه المرة في لبنان، ولست أدري ماذا كان يمنع مطابعنا المغربية أن تتشرف بطبع هذا الكتاب القيم، أن دور النشر في بلادنا أصبحت كثيرة ولكنها ما تزال تجري من وراء الربح السريع، ولذلك تكثر من طبع الكتب المدرسية ولكنها لن تقوم برسالتها الحقة إلا إذا تحملت مسؤولية نشر التراث المغربي والإنتاج الجديد في هذا الوطن.
وقد لاحظت أن الأستاذ الجليل أعاد صياغة كثير من العبارات، وبعبارة ألفها من جديد كما أدخل تعديلات على بعض الأفكار والتعليلات، وقد أعيدت كتابة بعض الفصول كالوسط الفكري في عصر الفتوح وقد خفف هنا من حملته العنيفة السابقة على البربر وعقليتهم «التي نسجت من الجهل والغباوة ولم يكن عندهم استعداد لقبول ما جاء به العرب من مدينة وعرفان .. » ولكن الأستاذ في الطبعة الجديدة غير الفصل وإن أبقى على بعض الأفكار الأخرى، وقد ترجم في هذا الباب لمن فاته في الطبعة الأولى مثل دراس بن اسماعيل وأبو جيدة والأصيلي وابن العجوز كما ذكر أسماء شخصيات علمية وأدبية جديدة.
وفي هذه الطبعة أعطى الأستاذ المؤلف للدولة المرابطية حقها بعد أن لم تنل من الطبعة الأولى إلا النزر اليسير، وقد أفرد لها فصلا خاصا بها استهله بقوله: «لقد آن للبحث العلمي أن ينصف دولة المرابطين ويقول فيها كلمة عادلة لا تتأثر بعصبية بلدانية ولا بحمية دينية».
والواقع أن الأغراض الشخصية والعواطف الجارفة والروح المسيحية المتعصبة كان لها الحظ الأوفر في تشويه سمعة المرابطين وتصويرهم بصور الوحشية والغلظة والبعد عن المدينة، وما خلت أمة من طبقة المنتفعين من الفساد، الذين تهيء لهم الأجواء الفاسدة والتدهور السياسي والأخلاقي في الأمة شروط حياتهم وسعادتهم، وكما أن للاتجاهات الصالحة مناضلين يسترخصون أنفسهم وأموالهم في سبيل نصرة المثل العليا فكذلك للباطل والانحطاط والاتجاهات المتعفنة مناضلون ومخلصون وماذا كان ينتظر من عصابة من الماجنين والمنتفعين من التعفنات، يقضون لياليهم في اللهو والعبث وفي الدس والمكر والاستغلال، ويعبثون فسادا، وينخرون جسم الأمة الإسلامية في الأندلس ـ ماذا كان ينتظر منهم إذ قام رجل صالح يردعهم عن منكرهم، ويجنت فسادهم، ويحرمهم لذائذهم، وينغص عليهم انحلالهم وانحرافهم، إنهم لا شك ـ كما وقع بالفعل ـ مفجرون أحقادهم ومرسلون لسانهم في السب والشتم في هذا الرجل ودولته وتمنوا زوالها كما نرى في مواقف كثير من الأحزاب إزاء بعضها وبالأخص في الدول المتخلفة، كذلك كانت قصة المرابطين مع الأندلسيين أو بعبارة أصح مع الطبقة الفاسدة والحاكمة منهم والذين أضاعوا كثيرا من الأجزاء الأندلسية وأوشكوا أن يسلموا ما تبقى منها إلى النصارى كما وقع بالفعل بعد أن ضعف المغرب عن الدفاع عن الأندلس.
وقد كشف الأستاذ المؤلف عن أسباب الطعن في المرابطين ودافع عنهم دفاعا حارا بمنطق رزين وأسلوب رائع وروح علمية، وأبرز أن المرابطين كانوا كرماء، حلماء مع أعدائهم واستشهد لذلك بشواهد عدة، كما أنهم أكرموا المعتمد إكراما بالغا عندما أنزلوه طنجة وأغمات المدينة العظيمة المزدهرة، وتركوا له الحرية التامة، وكان الشعراء يفدون عليه ويتصلون به اتصالا حرا ..
وقال المؤلف عن رعاية المرابطين للأدب والعلوم: «ليس هناك من ينكر أن الازدهار الذي عرفته الأندلس أيام المرابطين والموحدين بعدهم يكاد يفوق ما كان لها من قبل .. والحياة العلمية والأدبية التي ازدهرت أيام الموحدين ليست إلا غرس ورعاية المرابطين». والحق ما قاله المؤلف الكريم لأن الحياة العلمية ليست أمرا تلقائيا مفاجئا فلابد من غراس ومغارس وأجواء ملائمة سابقة ولولا المرابطين الذين أعطوا للمغرب الإسلامي بما فيه الأندلس أول قوة عظيمة يرهبها الأعداء، وأشاعوا الأمن والرخاء وأتاحوا الفرص للاتصال لما كانت تلك النتائج الاجتماعية والعلمية والأدبية التي شهدناها أوائل الموحدين و بعدهم .. ويقول المؤلف: «وما وقع من اضطهاد لبعض الأفكار