تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جانب، لابد لكل أمة ودولة من البقاء على سيادتها وحريتها. وفي الجانب الآخر لابد من قوة قاهرة تأخذ على أيدي الناس عند ما يتعدى بعضهم على بعض.

فالعدالة الاجتماعية في حقيقة أمرها هي عبارة عن كون كل فرد من الأفراد، وكل أسرة من الأسر، وكل قبيلة من القبائل، وكل أمة من الأمم على حظ متناسب من الحرية، وكون كل مجتمع من المجتمعات العديدة على نصيب ضروري من سيادة بعضها على بعض سدا لباب الظلم والعدوان واستخداما لمختلف الأفراد والمجتمعات فيما تقتضيه المصالح الاجتماعية. أن الذي يدرك حقيقة العدالة الاجتماعية تمام الإدراك يتضح له في أول وهلة: أن النظام الاجتماعي الذي قام نتيجة للثورة الفرنسية ناشد حرية الفرد والتسامح والرأسمالية والديمقراطية على قدر ما كان يناقض العدالة الاجتماعية ـ بل أكثر منه بكثير ـ النظم الاشتراكية الحاضرة التي يكب عليها بعض السذج اتباعا لنظريات كارل ماركس وإينجلس. فمن قصور النظام الأول أنه أعطى الفرد حرية تجاوز الحد المتناسب، وأرخى له العنان في التعدي على الجماعات، بما فيها الأسر والقبائل والمجتمعات، وجعل سيادة المجتمع على الفرد بصدد استخدامه لصالح المجتمع أضعف وأوهن من بيت العنكبوت. ومن قصور النظام الثاني وخطاه أنه سلب الأفراد والأسر والقبائل والأمم حريتها الأساسية بإعطاء الدولة الصلاحيات اللانهائية وإلقاء حبلها على غاريها في شأن استخدام الفرد للمصالح الاجتماعية، حيث يتحول الفرد من إنسان ذي روح إلى قطعة في الماكينة التي لا روح فيها ولا شعور.

وها أقدم إليكم في ما يلي باختصار: ما هو العدل الإسلامي:

لا يتصور في الإسلام أن يخترع شخص أو أشخاص فلسفة للعدل ومشروعا لإفراغها في قالب التطبيق، ثم يسلطوها على الناس قرأ حيث لا يدعون أي إنسان ينطق بالنقد عليها. أن هذه المكانة العليا والسلطة المطلقة لم يحرزهما محمد صلى الله عليه وسلم فضلا عن أبي بكر وعمر وغيرهما من أصحابه وخلفائه صلى الله عليه وسلم. إن الإسلام لا مكانة لدكتاتور فيه. والحاكم المطلق الذي لا يسأل عما يفعل ولا معقب لحكمه، فهو الله الواحد القهار وله الحق أن يطأطئ الإنسان رأسه أمام سدته العليا.

وكان النبي صلى الله عيه وسلم نفسه يطيعه ويخضع له رأسه. وكانت طاعته صلى الله عليه وسلم واجبة، على أساس أنه صلى الله عليه وسلم كان يصدر الأحكام من قبل الله تعالى ولم يكن يضع من تلقاء نفسه فلسفة أو نظاما. ونظام الحكم الذي جاء به صلى الله عليه وسلم وابتعه خلفاؤه رضوان الله عليهم أجمعين لك يكن أحد يأمن فيه التقيد والمؤاخذة على نفسه إلا الشريعة الإلهية الغراء.

فعدى الشريعة كان لكل شخص حق أن ينكر على غيره أعماله ومعاملاته متى شاء.

إن الله تعالى قد حدد معالم الحرية التي يجب أن تتقيد بها الأفراد، كما أنه تعالى بين ما هي الأعمال المحرمة التي يجب على المسلم اجتنابها، وما هي الواجبات التي يجب على المسلم اجتنابها، وما هي الواجبات التي عليه القيام بها، وما هي الحقوق التي يجب عليه أداؤها، وما هي الطرق التي يجوز منها انتقال الأموال إلى ملكيته والتي لا يجوز منها انتقال الأموال إلى ملكيته وما هي الواجبات التي يجب القيام بها على المجتمع لصالح الفرد وعلى الفرد لصالح المجتمع وما هي القيود التي يجب مراعاتها على الأسر والقبائل والأمم أو الخدمات التي يجب إسداؤها على الناس بعضهم نحو بعض. فجميع هذه الأمور والتوجيهات ينص عليها الدستور المذكور في الكتاب والسنة، الذي لا مجال لأحد لإعادة النظر فيه أو إدخال التعديل عليه. ومن مزايا هذا الدستور أنه لا يجوز للمسلم أن يتجاوز حدود الحرية الشخصية المحددة من قبل الله ورسوله.

كما أن الحرية التي منحها الله ورسوله إياه لا يستطيع أحد سلبه إياها. والطرق التي حرم الله تعالى اكتساب المال منها وإنفاقه فيها لا يجوز للمسلم أن يقربها فضلا عن أن يسلكها. جزاء بما كسب تكالا من الله. أما المال الذي اكتسب من الطرق المشروعة فلصاحبه عليه حق ثابت مضمون. وكذلك ما في استطاعة أحد أن يحرم الإنسان من إنفاق ماله في الوجوه الجائزة شرعا. وكذلك الواجبات التي يجب على الفرد القيام بها لصالح المجتمع لابد عليه من القيام بها أما ما عداها من المجتمعات فلا يجوز لأحد أن يجبر الناس عليها قسرا ألا أن يقوموا هم أنفسهم تطوعا واحتسابا. وكذلك المجتمع والدولة لا يختلف حالهما عن حال الأفراد. فإن الحقوق التي يجب عليهما القيام بها نحو الفرد يلزم عليهما أداؤها على قدر ما يحق لهما مطالبة الرد بإسداء ما عليه من الحقوق نحوهما.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٣٨