وهو إذ ذاك رئيس القضاة في البلاد السعودية، فذهب لزيارته وكان معي رفيقي وصديقي القديم الأستاذ الشيخ محمد بن عبد الرزاق المصري أصلا، الحجازي مهاجرا وسكنى، وهو من خيرة العلماء السلفيين، وكان في ذلك الوقت خطيبا في المسجد النبوي ومشاركا لي في المراقبة، فلما جلسنا في مجلسه دعا لنا بالقهوة التي تشرب بلا سكر، وهي تحية كل زائر في بلاد العرب، ثم سال عن حالنا فأجبناه بخير وشكرنا ملاطفته، ثم قال لنا: أريد أن أسألكما عما يعتقده أهل الأمصار، يعني أهل المدن الكبرى في البلاد الإسلامية من زعمهم أن الأرض كرة، وأنتما قد خالطتماهم فما هي شبهتهم في هذه الدعوى، قلنا له: أنهم يستدلون بأدلة عديدة أقواها عندهم اختلاف الليل والنهار، فان الشمس في كل وقت تطلع على قوم وتغيب عن آخرين، وإذا كانت غائبة في يد فهي طالعة في بلد آخر، وهذا أمر مشاهد ومعلوم، ومن أدلتهم أن المسافر في البحر يرى نفسه دائما في دائرة، وإذا رأى سفينة من بعيد فأول ما يشاهد منها رؤوس الصوارين ثم يشاهد مداخنها، ثم تنكشف كلها، وحتى في البر، أول ما يشاهده المسافر من المدينة رؤوس المنارات والأبراج. قالوا: ولو كانت الأرض كلها على شكل بساط لظهرت الشمس لأهل الأرض كلهم في وقت واحد وغابت عنهم في وزقت واحد، ومن أدلتهم على ذلك أننا لا نرى من الشمس والقمر والكواكب إلا نصف دائرة\ن فلابد أن النصف الآخر وراء نصف الكرة الأخرى، وتشاهد كل طالع كأنه خارج من الأرض، وكل غارب كأنه داخل فيها، لوم نرد أن نقول له: أن كثيرا من الناس قد داروا حول الأرض فتوجهوا إلى الشرق واستمروا على ذلك حتى رجعوا إلى بلدهم من جهة الغرب لعلمنا أن عقله لا يتحمل ذلك أبدا، ومع ذلك غضب علينا غضبا شديدا، وقال لنا: اتركا هذه العقيدة فإنها فاسدة وباطلة وان أصحابها زنادقة لا يريدون بها أي أن ينكروا استواء الله على عرشه ثم يجحدون وجوده، فقلنا له: نحن لم نقل ذلك أننا نعتقد هذه العقيدة، وإنما سألتنا عن أدلة القائلين بها فأخبرناك، فقال: بل إنكما، تعتقدانها، فعلمنا حينئذ أن المدرسين قد اشتكوا إليه واخبروه بما دار بيننا وبينهم من بحث في ذلك، وحينئذ رمقتنا أبصار الحاضرين باحتقار وازدراء ويسخرون منا ويقول بعضهم لبعض: ما أسفه القائلين بهذه العقيدة واضعف عقولهم، لو كانت الأرض كرة كما يزعمون لكانت رؤوسنا إلى أسفل وأرجلنا إلى فوق، ولماذا لا تسقط هذه الجبال والأحجار والصخور، ولماذا لا تنصب البحار في الهواء وما اسبه ذلكن فسكتنا ولم يبق لنا قول وأذعنا لصولة الجهال، وكان ذلك في رمضان، فطلب منا الشيخ أن نفطر معه كل يومن أما أنا فلم اعد إليه، وأما صاحبي فكان يتردد عليهن غير أني قرأت الرسالة العرشية لشيخ الإسلام ابن تمية التي أقام فيها الدليل والرهان القاطع على كروية الأرض وجميع الأجرام السماوية، ومما قاله له فيها: أن جهات الأرض كلها فوق وليس فيها تحت، وإنما التحت هو بطن الأرض أي مركزها ووسطها نقال: فلو ألقيت حجرا بالمشرق وحجرا بالمغرب فنزلا في الأرض ولم يجدا مانعا لاجتمع الحجران في وسط الأرض، ولو جعلت بدل الحجرين انسانين لالتفت إقدامهما في المركز، فخططت على ذلك بخطوط حمرن وبعثت الكتاب إليه فازداد غضبا وقال لمن حضر عنده: لا تعجبون من الهلالي يريد أن يعرفني بما في كتب شيخ الإسلام، وأنا لم أزل ادرسها منذ طفولتي وأكاد أحفظها عن ظهر قلب، إن كلام شيخ الإسلام عال لا يستطيع الهلالي أن يفهمه، ثم أخذت أطالع كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم، فوجدته قد صرح بان الأرض كرة وعلل بذلك باختلاف الليل والنهار فبعثت إليه الكتاب مع رفيقي الشيخ محمد بن عبد الرزاق، فلما قرأ كلام ابن القيم فكر كويلا ثم قال له: أما الجهة التي نحن فيها فهي سطح نشاهده بالعيان، فإذا كانت الجهة الأخرى كرة فلا ادرين وبعد ذلك لقيت الشيخ محمد بن عبد الطيف وهو كبير علماء آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذلك الزمان، فقال لي قد بلغني ما جري بينك وبين ابن بلهيد وهو مخطئ فيما زعم فتحت يدي ثلاث رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية كلها تشهد بكروية الأرض، وإنما قلت لك هذا لكيلا تظن أن جميع علماء المملكة السعودية يرون رأي ابن بلهيد في هذه القضية، وهذا الشيخ اعني ابن بلهيد كان آية في الأدب العربي وعلوم الدين وكان طاعنا في السن، ولكنه يستحضر كلما قرأه بألفاظه غالبان فيقول مثلا قال المؤلف الفلاني في الكتاب الفلاني في الصفحة الفلانية ما نصه ويمليه من حفظه، أما ما عدا ذلك فلم يكن له به علم، ورأيت رجلا آخر يشبهه في علم الأدب وحفظ نصوصه، وهو السيد عبد الله بن سعيد السلاوي فكان لا يسمع بحادثة إلا تمثل بأبيات وأمثال للعرب متعددة، واخبرني أن والده ألزمه أن يحفظ كتاب نفح الطيب وهو أربعة من المجلدات فقال فحفظته، والسيد عبد الله بن سيعيد السلاوي هو أول وطني في المغرب والمقاوم للاستعمار حين كان المغاربة في غمرة ساهين وكان جمهورهم يعتقد أن مقاومة الفرنسيين كمقاومة
مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٥٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجلة دعوة الحقص ٤٣٥٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي