ناوأت الإقطاع، وناوأت رأس المال، وناوأت القيصرية، وناوأت الكنيسة. فألغت الإقطاع، وألغت رأس المال، وحلوت ملكية الأراضي وملكية المصانع إلى ما أسمته «الدولة»، وبذلك أصبح المجتمع الروسي في جانب الاقتصاد مجتمعا «شيوعيا» وألغت نظام الحكم القيصري وجعلته حكما شعبيا أو عماليا، وبذلك أصبح هذا المجتمع في الجانب السياسي مجتمعا ديمقراطيا أو «بلورتتاريا». وألغت سلطة الكنيسة فالعنت شعار العلمانية في طابع الدولة، وبذلك فصلت بين الكنيسة والدولة وجعلت سيادة الدولة والكنيسة.
وأصبح المجتمع الروسي الشيوعي في اتجاهه وفي توجيهه مجتمعا مضادا تمام المضادة للمجتمع السابق عليه. وحققت ثورة سنة1917 قيامه كحقيقة تاريخية. ولكن، لكي يبقى هذا المجتمع بعد ذلك، ولكي يبتعد أيضا عنا لاضطرابات التي قد تثيرها رواسب المجتمع الماضي من عناصر النظام القيصري في الحكم، ونظام الرأسمال والإقطاع في الملك، ونظام الكنيسة كسلطة دينية، مما أسمتها جميعها «بالرجعية»، عنيت الشيوعية بالفلسفة التي كانت هي نتيجة لها- وهي الفلسفة الماركسية- وبالدعوة إليها، وبتحويلها إلى «دين» و «إيمان» كما حلوت المجتمع نفسه إلى مجتمع ذي طبقة واحدة.
الشيوعية كمذهب
وهنا بشرت بالماركسية كمذهب فلسفي، يعتمد على جملة مبادئ، سبق أن استخدمت في الفلسفة المثالية في القرن الثامن عشر، وكذا في الفلسفة الطبيعية والوضعية في النصف الأول من القرن التاسع عشر. هي مبادئ «النقيض» في الفلسفة المثالية الألمانية، و «التطور» و «الواقع» في الفلسفة الوضعية. وكل مبدأ من هذه المبادئ الثلاثة دللت به على القيمة العليا للشيوعية من جانب، ومن جانب آخر على خفة وزن القيم «الرجعية» في نظام المجتمع السابق. وعلى الأخص على خفة وزن الدين. وبذلك وقفت من الكنيسة المسيحية كسلطة موقفا، ومن الدين على العموم موقفا آخر، هو في جملته موقف عدم الرضا والمكافحة.
مبدأ النقيض:
ومبدأ النقيض استخدمه الفيلسوف الألماني «نيتشه» من قبل في التدليل على أصالة العقل الإنساني وأسبقيته في الوجود، وبالتالي على قدرته على الخلق، وعلى حريته المطلقة لا يجدها «شاهد وحس» ولا «وحي» أو «قوة أخرى مغيبة» عن الشاهد والحس، وعلى انه لذلك يملي ولا يملي عليه، من آثاره، وان حياة الناس جميعا في روابط الإخوة الإنسانية وفي ظل دولة عالمية هدف أخير لخالقيته ومجهوده.
واستخدم هذا المبدأ بعينه الفيلسوف الألماني المثالي الآخر «هيجل» في توضيح قيمة «العقل» الإنساني وقيمة «الله»، وفي أن وضع الله في الوجود هو وضع المطلق الذي يتجلى عنه المقيد وهو الطبيعة المشاهدة، والذي يسعى نحوه ما خرج عن التقييد نوعا ما، وهو «الدعوة» و «القانون» و «الأخلاق» وان الله لذلك يوحي، وان على الإنسان الطاعة لما يوحى به.
وخرج «هيجل» من استخدام مبدأ النقيض إلى نتيجة هي: أن سلطة «الوحي» فوق سلطة «العقل»، وأن الوحي والعقل معا فوق الطبيعة، أو فوق ما يسمى بالواقع أو المحس.
وهذا المبدأ دلل به كارل ماركس، فيلسوف الشيوعية- هو فيلسوف يهودي ألماني- على أن المجتمع سيتغير حتما إلى مجتمع عمالي ذي طبقة واحدة، أي إلى مجتمع شيوعي. وساق التاريخ في توضيح أن هذا المبدأ ضروري الوقوع في المجتمع، كما هو ضروري الوقوع في «التصور» و «الفكرة». إذ باستعراض أوضاع الإنساني كان المجتمع «الملكي» اسبق أنواع المجتمعات، فالمجتمع «الإقطاعي» ثم تلا هذا في الوجود المجتمع «الرأسمالي» وبتحليل المجتمع الملكي- ككائن موجود- وجد انه يتضمن طرفين متقابلين: يتضمن الملك من جانب، ورجال حكومته المنفذين لأوامره، ورعاياه أو عبيده من جانب آخر. ثم بالصراع بين الطرفين المتقابلين تحول احد الطرفين، وهو الملك، في الطرف الآخر وهو رجال حكومته ورعاياه، وبهذا التحول نشا الوضع الثاني للمجتمع وهو وضع الإقطاع. إذ أن ما كان للملك من