(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ)
المراد بالبيوت الممنوع دخولها قبل الاستئذان هي البيوت التي يسكنها المستأذَن- بفتح الذال- بطريق الملك أوالكراء، فليس من حقكم أيها المؤمنون أن تدخلوا بيوتا يسكنها غيركم ولو كانت في ملككم، "حتى تستانسوا" بأن تتعرفوا هل ثمة إنسان يملك الإذن أم لا، ثم هل هو على استعداد لأن يأذن لكم في الدخول أم لا، ولفظة "تستانسوا" تحمل في طيها معنى تتلطفوا، ويخالف ذلك قرع الباب بعنف، وفيه من الإذاية للمؤمنين ما لايخفى، أو الاستئذان بأصوات مزعجة، وقد نهى الله تعالى الفاعلين لذلك وجعلهم ممن حرموا من استعمال أعظم خاصية إنسانية ألا وهي العقل.
?إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ? [الحجرات: 4]، أو استراق السمع أو النظر من خلال الفجوات.
عن عبد الله بن بشر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم.
"وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا": بأن تقولوا: السلام عليكم، بعد أن يرخص لكم في الدخول. ومعنى "السلام عليكم" الدعاء وتبشير المسلَّم عليه بالسلامة من جميع المكاره، ولفظ "السلام" من أسماء الله الحسنى، فيكون معنى "السلام عليكم" الله عليكم، أي تجلى الله تعالى باسمه، السلام عليكم بحفظه ووقايته من الآفات كلها دينية ودنيوية، فالسلام تحية أهل الجنة وسنة المسلمين، قال تعالى: ?تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ? [إبراهيم: 23].
وأخرج مسلم في صحيحه والبخاري في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس محمِّدا لله فشمته -قل له يرحمك الله- وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه».
?ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ?: يعني أولى لكم وأقرب إلى اللياقة من الهجوم بغتة قبل الاستئذان والاستئناس بلطف، بل ذلكم خير لكم حتى من تحية الجاهلية، حيث كانوا يقولون -عند إرادة دخول بيوت غيرهم-: حييتم صباحا، وحييتم مساء، ونحو ذلك من عبارات الجاهلية، وهي على ما تنم عنه من مجاملة، إذا قرنت بتحية الإسلام "السلام عليكم"، صارت كمقارنة الياقوت بالحصى.
?فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ?، بان لم تجدوا فيها أحدا أصلا، أو وجدتم فيها من لا يملك الإذن كالصبيان والخدم، إذ في دخولكم تصرف في ملك الغير بغير إذنه واطلاع على خفايا البيوت وعوراتها. وهذا ما لم يعرض عارض يقتضي مراعاة قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، وذلك فيما إذا حدث بالبيت حريق أوانهيار أو فيه لصوص أو غير ذلك من المناكر، فلا يجب حينئذ الاستئذان.
?وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ?
هكذا يكون أدب السلوك وهكذا تكون النصفة، فعلى هذا المنهج يسير كل أفراد المجتمع الراقي البالغ أوج الكمال التمديني، ثم ليكن مثالا وأنموذجا تسير على منواله سائر المجتمعات البشرية لتنمو الكرامة الإنسانية، ?وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا? أمر تقبله عن رضى وطواعية نفوس مومنة طاهرة من أرجاس الكبرياء وأدران الترفع، نفوس تحترم حريات الآخرين، ذات الشعور المرهف بأعذار الناس وتقدير ظروفهم واحترام مشاعرهم، ?هُوَ أَزْكَى لَكُمْ? حتى لاتتمرغوا في أوحال الدنائة وتلطخوا ثياب مروءتكم بنجاسة الرذالة. ?وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?. شأن الإنسان الغفلة والنسيان - فليس يكفي غالبا إيمانه واقتناعه بجدوى القوانين النقية من شوائب الاعوجاج إن سار طول حياته على ضوئها، فمهما بلغت تلك القوانين الدرجة القصوى في الصلاحية والدقة والكمال فلن تحترم كل الاحترام ولن تترعرع كل الترعرع إلا إذا هيمنت وسهرت على تنفيذها قوة جبارة من ضمائر حية يقظة طاهرة، وأنى لها بالحياة واليقظة والطهارة إن لم تستشعر رقابة الله تعالى التي لاتفتر ولا تغيب، وفي التعبير باسم الجلالة وتقديم المعمول من تربية المهابة والاعتناء بأعمال العباد والوعد والوعيد ما لا يخفى.