وتدور بين الرجلين محاورة ريفة يستشير فيها ابن بشير صديقه العابد في أمر قبول منصب القضاء الى آخر هذا الخبر الذي يمكن ان يراجع في ذلك الكتاب المذكور، ونرى من هذا الخبر كيف اقبل ناسكو الاندلس في هذه الفترة المبكرة على الاعتكاف في تلك المتعبدات المنعزلة، وقد توهم بعض المستشرقين أن هذا أثر مباشر للرهبانية المسيحية في الأندلس، ولو أن الأرجح ان ذلك لم يكن الا تقليدا لما بدأه في هذا الوقت متصوفية المشرق، بل ولما نراه في افريقية التي شاع فيها في منتصف القرن الثالث بناء الأربطة مثل سوسة والمنستير وغيرهما مما كان يوجد على امتداد الساحل الافريقي، وكان كثير من الصلحاء ينقطعون الى هذه ليواصلوا فيها حياة هي مزيج من التبتل والجهاد مما نرى تفصيله في امثال كتاب الدباغ "معالم الايمان" والمالكي "رياض النفوس"، وقد بحث هذه الأربطة المستشرق الفرنسي (جورج مارسيه)، والاسباني (خايمه اوايفراسين)، والاسباني (خايمه اوليفراسين) في بحثين شيقين، هذا ونود ان ننبه في هذا المقام الى أن طائفة من الأندلسيين قد انتقلوا الى افريقية واستقروا في تلك الأربطة مثل يحيى بن عم الكناني الذي توفي سنة 289 في سوسة والذي كان له أثر كبير على الثقافة الافريقية والأندلسية في عصره، وقد افردنا بحثا خاصا بيحيى بن عمر هذا وبينا أن عددا كبيرا من تلاميذه الاندلسيين كانوا من مناطق الثغور في اسبانيا مثل سرقسطة ووشقة وتطليه والى أن هؤلاء التلاميذ حرصوا على ان ينقلوا إلى بلادهم هذا التقليد الإفريقي فأنشأوا الأربطة كذلك، وانتهجوا فيها مثل حياة أساتذتهم في افريقية من تعبد وجهاد.
وقد بدأ يشيع في الأندلس لبس الصوف باعتبار ذلك مظهرا من مظاهر التقشف فقد كان ينسب الى عبد الرحمن الداخل انه كان يفضل لبس الصوف، وقد عد ذلك من فضائله ودلائل ورعه، على اننا نشك في صحة هذا الخبر اذ أن أول من يورده هوابن نباتة في كتاب شرح العيون وعنه نقله السلاوي في الاستقصاء وهما مرجعان متأخران، ثم انه لم يعرف عن عبد الرحمان ممارسة أي رياضة زهدية، اما الذي نعرف عنه أنه أول من ارتدى الصوف تقشفا ونزوعا الى خشونة المعيشة فهو قاضي قرطبةسعيد بن سليمان المتوفي سنة 240 اذ يذكر الخشني عنه انه كان يجلس للحكم وعليه غضارة وجبة صوف بيضاء وعلى راسه اقروف من الصوف كذلك، وينسب الى ابن طاهرالتدميري المتوفي في القرن الرابع انه كان ايضا يرتدي الصوف.
اما اصطلاحا "الصوفيية "فلم يعرف في الاندلس الا في اواخر القرن الثالث، وقدعرف هدا اللفظ في المشرق من قبل، اشرنا الى احتكاك الاندلسيين الريفيين الذين طردوا من قرطبة ايام الحكم بن هشام في اواخر القرن الثاني بتلك الطائفة التي كانت تعرف في الاسكندرية باسم الصوفية ولو اننا لاتعرف في الاسكندرية باسم الصوفية ولو اننا لانعرف لهذه الطائفة تعاليم صوفية بمعنى الكلمة، على ان الثابت هو ان هذا الاسم اصبح منذ القرن الثالث يطلق على هذه الجماعات التي كانت تزاول ما نعرفه اليوم من مدلول ذلك الاصطلاح، وقد عرف هذا اللفظ بعد ذلك في افريقية في منتصف القرن الثالث الهجري، وان كان بمعنى قريب مما رأيناه من قبل في طائفة الصوفية بالاسكندرية، أي دالا على طائفة من الرجال كانوا يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر احتسابا لله وزلفى اليه، يذكر المالكي في رياض النفوس ان قاضي القيروان سحنون بن سعيد أرسل يوما في طلب الف رجل من الصوفيةفاجتمعوا اليه من البوادي، فتخير منهم مائة رجل أرسلهم لفك ظلامه بسبب شيء ارتكبه أحد قواد بني الاغلب:
أما اول من نعرف أنه تقلب بلفظ الصوفي في الاندس فهو عبد اله بنصر القرطبي المتوفي سنة 315 وكان على ما يذكر ابن الفرضي مؤدبا في مسجد أبي علاقة، وكان ممن يسرد الصلاة والصوم، الا ان هذا الاسم الذي أطلق عليه ربما دل على أنه كان متصوفا بمعنى الكلمة لامجرد زاهدا يكثر من العبادات فحسب:
وإذا كانت هناك كرامات قد نسبت الى بعض الصالحين الاندلسيين في تاريخ مبكر فانها كانت بسيطة لاتتجاوب ما كان المترجمون لهم ينصون عليه من أنهم كانوا مجابي، الدعوات، على أنها في القرن الثالث اصبحت تتجاوز ذلك إلى مظاهر أكثر تعقيدا وأقرب الى ما كان يعرف عن كرامات الصوفية، وقد نسبت الى بقي بن مخلد القرطبي المتوفى سنة 276 احدى هذه الكرامات اذ يذكر ان امرأة جاءت الى بقي فقالت ان ابنها قد اسره الروم وليس لها مال لتفديه، فتمتم بكلمات فما كانت الا أيام حتى حضر الشباب الاسير الى أمه معلما الناس انه في الوقت الذي نطق بقي بن