وقد وصلوا الى نتائج. عظيمة في تنفيد برامجهم اثلجت صدورهم وجعلت أحدهم يقول: لقد استولينا على افكارهم وارواحهم، ولم تزل المحاولات تتوالى للاجهاز على الفكرة الاسلامية، وماتزال في كثير من البلاد الاسلامية هياكل ثقافية بناها الاستعمار، وعند ما خيل الينا أنه خرج كانت هذه الهياكل أشد ما تكون عملا وخدمة وتخريبا.
ولكن هل تسلمنا هذه الحقائق الى اليأس والعجز، والانطواء؟ وهل انتصار الباطل في بعض جولاته يجعلنا موقنين بانه سيكسب الجولة الأخيرة؟ لا أبدا .. خصوصا والتجربة القاسية التي مرت بها العقيدة الاسلامية في تركيا تجعلنا اكثر يقينا من ان الفكرة الاسلامية متغلغلة في النفوس، وانها اصبحت تكون جزء طبيعيا من النفس ﴿المسلمة﴾ سواء في المشرق او المغرب، وهذه الطبيعة النفسية تبرز بشكل واضح هذا في بلادنا ولن يخيفنا عليها فترات من الغفلة والدهول التي قد تعطل بعض حركاتها، وتجعلها ضامرة وسلبية، اذ أنها رغم كل ذلك فان فيها قابلية الاستجابة الى دعوة الله، وفيها عوامل اليقضة والانفجار، فيها استعداد للاندفاع والبروز، ومما يجلي ذلك الاستعداد ويبرز تلك الطبيعة المغربية الاسلامية بعض الظروف كالكوارث والتحدي للاسلام كما شاهدنا في ﴿رد فعل﴾
الظهير البربري، الى أن دعاة الاسلام يجب أن يستفيدوا من هذه الاستعدادات ويترصدوها ويحاولوا تفجيرها وتنظيم حركاتها واندفاعاتها.
ومما يؤكد القول بأن مستقبل الاسلام في هذه البلاد هو هذا الفشل الذريع الذي منيت به الحضارة الجديدة عندما اعتمدت في حل مشاكلها على القوة وأصبحت تعتنق المبدأ القائل: البقاء للاصلاح، بمعنى سبيلها حتى طغى هذا المعبود وتجبر حتى أصبح خطرا حتى على عباده الذين تغيرت دوافع عبوديتهم له من رغبة الى فزع، ثم ان فلسفة القوة مع أنها لم تستجب لرغبة الاصلح بمعنى الأقوى في السيطرة على العالم فانها أيضا كانت كارثة على الأخلاق لما فرد على الأمم اتجاهات في السياسة والاقتصاد وغيرهما أبعد ما تكون عن الانسانية.
ولهذا فان فشل الحضارة المغربية في حل مشاكلها من ناحية، وفي تزويدها أبناءها بسلوك أخلاقي يربط بينهم وبين البلاد المستعمرة والضعيفة من ناحية أخرى، جعلت أبناء تلك الحضارة واتباعهم من البلاد المتخلفة يفقدون الثقة بها، وقد أعلن بعض أولئك وهؤلاء الكفر الصريح بمبادئها وطبيعتها، ولهذا كان على ابناء البلاد الاسلامية ان يبحثوا عن الحل الأخر, وبما ان الطبيعة المغربية كما قلنا منسوجة على منوال الاسلام وبلحمته وسداه، فان الاتجاهات التي ستحل مشاكلنا الاجتماعية ليست سوى الاسلام, ولقد ابتدأنا نلمس تحركات رائعة في الضمير الاسلامي بالمغرب، واصبحنا نشاهد أبناء هذا الدين يتداعون على الحق، واصبحنا نشاهد والحمد لله في الشعب المغربي المسلم استجابة قوية لداعي الله ولهذا الدين القيم بعد ان كنا نظن ان النفوس قد طال عليها الأمد فقست، وان بعض التجارب التي يقوم بها أنصار هذا الدين جعلتنا موقينين بان المستقبل في المغرب للاسلام.
واذا كانت الحروب الصليبية والتترية والمغولية قد دفعت بعض المتشائمين الى ان يعتقدوا ان شمس الاسلام قد غربت، فان الأحداث التي تمخضت عنها المقاومة الجبارة لتلك المناورات والاعتدائات ازالت عن شمس السلام ما اعترضها من سحب, ومااكتنفها من ظلام فاستطاعت من جديد, واني لأعتقد ان اليقظة الجديدة للاسلام في المغرب والعالم الاسلامي يقظة تحمل معنى جديدا, انها يقظة جماعية من أجل اعادة بناء المسلمين على اسس اسلامية محضة, بعيدة عن العقلية الخرافية التي كانت تقتل الحيوية والخصوبة والانتاج في الفكرة الاسلامية, واني أعتقد أيضا أنالوقت قد حان لكي يقوم المغرب برسالته الحقة في الميدان الافريقي والعالمي، في نشر مبادئ الاسلام التي تتطاع اليها الانسانية، ولهذا كان على المغرب ان يطبق الأقوال الكثيرة التي صدرت عن المسؤولين، والتي يعبر عنها المسلمون في كثير من أحاديثهم ومناسباتهم فيما يخص تقويض أركان الجهاز الثقافي الاستعماري والاجهاز على ما تبقى له من أعمدة للتفرغ لرفع راية الاسلام خفاقة تستضل بها الشعوب الافريقية، ويحملها أبناء عبد الله بن ياسين والمهدي بن تومرت ...
تطوان_عبد السلام الهراس