تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ............... ص 5

المعتقدات، ولم تكن الرواية في الواقع إلا لإعداد المواد الصالحة الراسخة للذين يريدون أن يبحثوا ويستنتجوا، كل بحسب ما يتخصص فيه، فكأن المسلمين اهتموا قبل كل شيء بأن يضعوا أمام الباحثين المستندات الصحيحة التي تفسح أمامهم الدراسة المتينة للنصوص الواردة، وبيان ما يمكن أن يكون فيها من تعارض أو توافق، ولولا ما أصاب التراث الإسلامي من إحراق وإتلاف بيد أعداء المسلمين وخصومهم، لكانت المكتبة الإسلامية أغنى مكاتب الإنسانية من عداد المستندات، و إن كانت رغم ذلك ما تزال أقواها في وسائل الإثبات.

العناية بمناهج السلف في الرواية إلى جانب العناية بالتحليل والتعليل، كلاهما شيء ضروري لإحياء آثار الإسلام وكتابة تاريخه بالطريق الذي يحتاج إليه العصر، وتلك هي الخطوة الأولى في إعادة ثقة المسلمين بأنفسهم وثقة العالم بهم، وتلك هي السبيل التي تمهد لهم صنع تاريخ جديد مجيد.

النظر، و القرآن، السنة، كلها في رأي الشيخ عبده وسائل ضرورية للمعرفة الإسلامية، وللبعث الإسلامي، ولدفع الشبهات التي يعرضها المخالفون على القرآن وعلى الإسلام، أما العلم، بالمعنى الضيق الذي أصبح يدل عليه في هذا العصر، فقد بين عبده ضرورة الاعتناء به و اتقائه بجميع فروعه، وقد أوضح تسامح المسلمين في جميع عصورهم مع الذين كانوا يختصون فيه، ولكنه ألح في البيان في دروس التفسير، أن القرآن ليس كتابا منزلا لتوضيح الحقائق العلمية في الطبيعيات والرياضيات مثلا، وعمل كل جهده لتبيين أن ماهو وارد في القرآن ورد للاتعاظ، وأنه ينطبق على احدث ضروب المعرفة، وأن هذه المطابقة خير دليل على صدق القرآن ونزوله من السماء، لأنه ورد على لسان نبي أمي، في امة أمية، وعصر ابعد مايكون عن عصور المعرفة الحديثة، ولكنه يقرر انه إذا تعارض ما في القرآن مع مايقرره العلماء، فيجب مسايرة العلم مع الإيمان بصدق القرآن وبأن البحث لابد أن يؤدي إلى معرفة الحقيقة (كتب الله لغلبن أنا ورسلي) ويؤيد هذا بذكر كروية الأرض التي كانت تدل عليها آية (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) والتي كان الجغرافيون العرب يتناولونها ليوافقوا رأي العصر القائل ببساطة الأرض.

ويظهر مجهود عبده وتلميذه رشيد رضا واضحا جليا في تأويل الآيات القرآنية على الطريقة التي تتفق مع الواقع العلمي، تتحفظ للقرآن نظمه اللغوي ومعناه الديني، ولنضرب لذلك مثلا بالآيات التي تنص على أن الله خلق السماوات والأرض في سبعة أيام، فقد بين أن اليوم في اللغة هو القطعة من الزمان، وبذلك أجاب عن شبهة كون الأيام لم تعرف إلا بعد أن خلق الكون، واستدل لذلك بقوله تعالى: (و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) وبين كيف أن العرب يطلقون الأيام على الحروب والوقائع فيقولون يوم كذا، ولو كانت فيه شهور من الحرب أو دهور.

أما عن شبهة السماوات السبع، فقد بين أن مفهوم العدد لا يعتبر، ورجح أن يكون المقصود منها مناطق السيارات السبع، مع العلم بان القدماء لم يكونوا يعرفون أكثر من خمس، و إنما اكتشف هرشل في القرن الثامن عشر السيارة السادسة، ولم تكتشف السابعة إلا في أواسط القرن التاسع عشر، وهكذا يكون القرآن قد أتى بمعجزة، لأنه عرف من أخبار السماوات ما لم يعرف المختصون في النجوم إلا في هذا العهد الحديث، على أنه أحيانا يأتي بتعبير علمي لبعض الظواهر، ليقرر عدم استحالة وقوعها فقط، وذلك ما فعله في محاولته لتفسير الطير الأبابيل التي رمت أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، قائلا: إنها جرثومة الجدري، وما حاول أن يبين به رشيد رضا معجزة موسى في مروره البحر وغرق فرعون، بوقوع المد والجزر في تلك الساعات، ونحن لا نوافق الأستاذين على مثل هذا الإغراق في تقسيما ذكره القرآن على أنه من قبيل المعجزة، ويكفي أن نثبت وقوع الامرالخارق من أول مرة، لتتحرر من الحاجة للتحمل في تفسير الشبهات وتقريبها لعالم الحس، وليس يعنينا أن يكفر من يشاء إذا كان إيمانه لاينتم إلا بالتنازل عن جزء ولو يسير من الدين، وهو من الممتلكات التي لا ينازع فيها عقل ولا علم صحيح.

ولايهمل عبده كما لا يمكن أن يفعل أي واحد يريد إصلاح أمته عن طريق القرآن، مسائل الاجتماع و النفسيات، وهذا هو الفضل الذي بذل فيه من الجهد ما يستحق تثبيت دعائم الأسرة وتقويم الأخلاق، ورد شبهات المخالفين بتبيين تفوق الشريعة الإسلامية على غيرها في سائر هذه الميادين، ودخل في مناقشات كثيرة عن تعدد الزوجات وعن التسري والاسترقاق، والربا وغير ذلك من المسائل التي اعتاد الأجانب أن يسردوها كلما حاولوا نقد الإسلام والمسلمين، ثم دافع عن الشبهات التي تعرض لقضية زواج النبي عليه السلام بزينب بنت جحش، وأمر بتعدد الزوجات، وغير ذلك مما نجده مفصلا في تفسير المنار وفي مجموعة المنابر نفسها، ولو أردنا أن نفصل جدله في هذا الموضوع لاحتجنا إلى صفحات عدة ووقت طويل.

ولنرجع بعد إلى موقفه من شبهتين عظيمتين، الأولى ما يزعمه الأوربيون من أن الإسلام قام بحد السيف، و أن الجهاد إنما شرع لنشر الدين الجديد بطريق القوة، وذلك ما يتنافى مع الحرية الإعتقادية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٢