دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص34
الالتزام الفكري بين الواقعيين والمثاليين
بقلم الأستاذ المهدي البرجالي
كانت سنة 1956 بداية القصة المثيرة التي استأثرت باهتمام الأوساط السياسية والأدبية في العالم ردحا طويلا من الدهر، وربما لا تزال لها فصول لم تفض إلى نهايتها بعد، كان ذلك يوم أن استطاع الكاتب الروسي الكبير (بوريس باسترناك) أن (يهرب) روايته الشهيرة (الدكتور جيفاكو) خارج الاتحاد السوفياتي بواسطة أحد الصحفيين الإيطاليين، ويضعها بين يدي أحد كبار الناشرين (السيد فلترينيلي) في إيطاليا، البلد الغربي العريق، والعضو الهام المرموق في منظمة حلف الشمال الأطلسي.
وبلغت الأزمة التي أحدثها "باسترناك" أوجها سنة 1958 وذلك حينما "تطوعت" الأكاديمية السويدية بمنح جائزة "نوبل" للكاتب الكبير كتقدير عالمي رائع لروايته التي كان قد رفض نشرها من قبل اتحاد الكتاب السوفياتيين، والتي تشكل في جوهرها ـ بحق ـ شبه إدانة غير مباشرة لطبيعة الظروف التي اكتنفت الثورة الشيوعية الكبرى في روسيا، والملابسات التي رافقتها من قريب أو بعيد.
وفي شهر مايو من سنة 1960 ختمت أنفاس الكاتب الثائر الصامت، والأديب اللائذ بحمى العزلة والانفراد، ذلك الذي استطاع أن يحدث في العالم ضجة أدبية وسياسية مدوية، على الرغم من أنه لم يكن يتحول عن ملاذه الهادئ الوديع، ولم يتنكر يوما ما لأسلوب حياته اليومية الرتيبة ومنهاج سلوكه البسيط المتواضع، وأفضى باسترناك إلى نهايته بعد أن عاش تجربة فكرية ووجدانية عميقة أصيلة، وبعد أن عانى من خطورة البادرة الإنتاجية التي قادته إليها هذه التجربة، وبعد أن شاهد إقصاءه من حظيرة الكتاب السوفياتيين، وتعرضه لحملات نقدية شديدة ذات طابع أدبي تارة، وسياسي تارة أخرى، وذلك كله كنتيجة حتمية للتجربة التي ساقته طبيعة تفكيره الأدبي الإنساني إلى خوضها.
وهناك من يكمن أن يجد بعض عناصر المقارنة والموازنة بين القضية التي تكونت فصولها حول باسترناك وبين القضية الأدبية والسياسية الكبرى التي لمع فيها اسم الكاتب الروسي المضاد للشيوعية "كرافشنكو" صاحب كتاب "ءاثرت الحرية" تلك القضية التي أثارت بالفعل ومنذ سنين عديدة ضجة كبرى في الأوساط الغربية والشيوعية على السواء.
وقد يكون ثمة بعض أوجه المقارنة بين القضيتين المتماثلتين في بعض الجوانب المعينة، إلا أن هناك ـ مع ذلك ـ أساسا لملاحظة الفروق الجوهرية التي توجد بينهما، والتي لا تبيح الاعتماد على نتائج هذه المقارنة اعتمادا صحيحا، ومن بين هذه الفروق ملاحظة نسبة الارتباط بين كل من القضيتين وبين العوامل الأدبية والسياسية التي توجد كامنة وراءها، فقد كانت بادرة "كرافشنكو" ذات صبغة سياسية مذهبية أكثر بروزا وأشد وضوحا، على الرغم مما يمكن أن يقال عن دواعيها الفكرية والأدبية المحتملة، أما قضية "باسترناك" فقد كانت أهم العوامل التي أسهمت في حبك خيوطها ـ كما يبدو ـ لا تلتصق بالأغراض السياسية الصرفة التصاقا قويا ملموسا، وشخصية "باسترناك" وظروف حياته وعيشه وطريقته في السلوك والتصرف ثم الأسلوب البسيط الذي احتذاه في الزج بروايته إلى عالم النشر خارج الاتحاد السوفياتي، هذا إلى طبيعة الموقف الذي