الدياجي الحالكة لتخرج أممها من انحطاط إلى رقي، ونحن نشاهد ذلك في التجربة الصينية الخارقة، وفي الإصلاح الياباني الجبار، لأن التربية التي تقوم على التمني والتهريج، والتبشير بالحقوق الكثيرة، والاستزادة منها، ومخاطبة الأغراض الخاصة هي أعظم الوسائل لتخريب كيان الهيئة القائمة، وتدمير وجودها وتحويلها من أداة اجتماعية بناءة إلى أداة هدامة مخربة، ويتبع تلك التربية ـ تربية التهريج ـ من يريد تحقيق أغراض شخصية بحتة، والوصول إلى الحكم من أسهل طريق، يحقق أهدافه البسيطة تلك، وقد يصل إلى غايته التي يسعى إليها ويجمد، ولكن المشاكل الاجتماعية تظل كما هي بل تستفحل دون أن يمسها أحد بسوء، لأن الأمراض الاجتماعية ليست من السهولة كما يتصور أصحاب نزعة (الحكم) و (القلة)، بل إن وجود مثل هذه النزعات في مجتمع ما ليكون مضاعفة مرضية خطيرة، إذ أن النزعة غالبا ما تكون مكونة من أقزام الثقافة، ومشوهي الضمائر، ومتعفني الباطن، ومستهترين بالقيم الأخلاقية، وهكذا تتضاعف ـ بهم ـ الأمراض الاجتماعية، ويصبح من شروط العلاج استئصال هذا الميكروب الخطير، وبما أن المرض قد استشرى فعملية الاستئصال في أعظم مظهرها يجب أن تكون تغييرا جذريا في التركيب النفسي والثقافي، وإعادة التربية عن طريق التخلية، ومن لم تنفع فيه تلك الطريقة فيجب أن يعالج بطريقة العزل الاجتماعي، حتى لا يؤذي المجتمع بجذام خلقه، وسرطان كيانه.
والقيادة الإسلامية الجديدة ـ بما أنها تنتسب إلى الله يجب أن تدرك حق الإدراك قيمة المصدر الذي تعتمد عليه، وأي قوة تتحدث باسمها، فقد يستطيع الشخص أن يخدع الحاكم أو الشعب ـ ولو إلى حين ـ ويبدي له أنه يتفانى في حبه ويعمل من أجله، ويسير في طاعته، ويستطيع أن يستغل ضعفه وغروره وغباوته فيقوم باسمه بأدوار انتفاعية انتهازية، ولكن هذا الشخص كائنا من كان لن يستطيع أن يخادع الذي يعلم السر وأخفى، فإن حاول ذلك فإن ربك لبالمرصاد.
ثم أن أي اعوجاج يصيب القيادة الإسلامية فإنما هو طامة كبرى، وعرقلة خطيرة للفكرة الإسلامية ذاتها، من ذلك أن أعداء الاسلام الذين يتربصون به شرا سيقعون على الحجة الدامغة لإعلان فشل الاسلام في حل المشاكل الاجتماعية، وسيعتبرونها فرصة لإذاعة الأمرين بين الشاكين والمذبذبين، مع أن الذنب في الفشل ليس ذنب الإسلام وإنما الأمر يتعلق بجريمة المنتفعين به، والمجترين باسمه. زيادة على الآثار السيئة التي سيتركه في نفس الراجين، والضعفاء من المؤمنين، وسيؤخر الدعوة الإسلامية في البلاد الإفريقية مثل ما قرأنا من أن بعض المسؤولين في تركيا عرضوا الاسلام على قادة يابانيين فرد عليهم هؤلاء بأنه لو كان في الاسلام خير لأنقذ المسلمين الذين يعتنقونه.
ولهذا كانت مسؤولية انصراف الناس عن الاسلام وعن مجرد التعرف عليه ليست واقعة على عاتق الاسلام، بل على أولئك الذين يزعمون أنهم أصحابه، أولئك الذين أهانوا الاسلام فأهانهم الله، وحاولوا استغلاله فأذلهم الله، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك الذين يقيمون الدليل تلو الآخر بسلوكهم الذي يصادم أخلاق الإسلام وعقيدة التوحيد بأن الاسلام دين قد انقضى دوره في الحياة، وأنه لا يليق بإنسان متحضر ناضج قد تجاوز طور العقل الديني والعواطف الميتافيزيقية، وإن كان الاسلام ـ في الحق ـ أسمى من أن يكون ذلك الي يشاهده السطحيون في سلوك المجتمعات (الإسلامية) الحاضرة، وأعظم من أن يكون وسيلة للطامعين، ومطية للجبابرة المتسلطين.
ولهذا كانت رسالة القيادة الاجتماعية الجديدة لا تنحصر فقط في الترويج للفكرة الإسلامية بوسائل المحاضرات والإذاعة، والتمثيل والمقالة وإنما أكثر من ذلك يجب أن تقيم من سلوكها القويم أعظم داعية للخير، وأعظم طريقة تربوية عملية، أما الكلام والشعر والخطب، والموعظة فقد أصبح كل ذلك عديم الجدوى، ميت الأثر، مسلوب النتائج.