دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص20
القيادة الجديدة
للأستاذ عبد السلام المهراس
الظاهرة التي أصبح يشعر بها كل واحد منا في هذه البلاد هي أننا نعيش في فراغ وروحي خطير، وإنما نمر أزمة روحية وفكرية غامضة لا ندري نتائجها العمياء، وأن مستوى الأخلاق يتداعى شيئا فشيئا، والناس يساقون في حياتهم سوقا لأهداف لا يتبينون فيها معالم واضحة، ولا يحسون لها نتائج سارة، ولهذا أصبح الشعور ينتشر ويقوى بالحاجة إلى استعادة الفكرة التي ستعزز السلوك الأخلاقي الذي يستطيع وحده أن يجدد العلاقات الفردية والاجتماعية على نحو أمتن وأجمل، وأن تذكي في النفوس الشعور بالقيم والمثل العليا، وتربط الوجدان بمعنى الواجب نحو هذه الأمة التائهة.
ولا أكاد أجتمع بفرد أو جماعة إلا وألمس ذلك لمسا، وأجد الحديث يدور حو انتقاد الهيكل الثقافي الذي بناه الاستعمار وأصبح يغذيه بمراكزه الثقافية، والوسائل القوية التي يمتلكها والأجهزة الفعالة التي يتوفر عليها، وذلك من اجل الإبقاء على القيادة الفكرية الثقافية والروحية التي تتجاوب وأغراضه وتسير بنا وفق رغباته ومراده، وهذه القيادة هي التي تعمل على إعاقة النمو الطبيعي لشعب يؤمن بالإسلام ويعمل على تحسين صلته بالله وبالرجوع إلى منابع الدين الحقة والتزود منها لخلق مجتمع متحضر كفيل بالقضاء على أسباب المرض وبالتالي على القضاء على الاستعمار بجميع أشكاله وألوانه، وقطع دابره، واجتثاث عروقه، وقتل عناصر وشروط حياته.
ولهذا كان تدمير هذا الجهاز وسحق كل معوق لنمو الشخصية المغربية ونضجها من الأهداف التي تستدعي الإسراع بالتنفيذ، ثم إن الضرورة تقتضي تخطيطا ثقافيا إسلاميا من أجل بناء اجتماعي متين، وأن يضعه أبناء البلاد الذين يشعرون أكثر من غيرهم بطبيعة المرض، ومكامن الداء ووسائل العلاج، وتلك رسائل القيادة الجديدة التي ابتدأت ملامحها تبدو في الأفق المغربي، وأصبحت عناصرها تتلاقى صدفة أو تدبيرا لتتحمل المسؤولية الثقافية والاجتماعية عن وعي وتبصر وإيمان.
ومما يساعد مهمة تلك القيادة أن بلادنا غنية بمنابع الخير والقوة والإنتاج وتتوفر على سواعد قوية، وكواهل متينة، ونفوس صابرة ومصابرة، وعزائم صامدة، وعناصر بشرية لا ينال منها الكلل، ولا يفت في عضدها وجسدها جسامة العمل وضخامة الواجب .. وهنا استعداد للتطور بشكل سريع ومتقن، وهنا نيات طيبة، تحسن الظن بالمخلصين، وتثق بكلمة (الرجال)، وهنا مزاج عقلي يؤمن بالفكرة ويعمل لها، ويضحى في سبيلها، ويكره الصنمية ويقاومها، وهذا حب للون واعتزاز بالتاريخ، وتمجيد للسلف الصالح، وتطلع للمستقبل الباسل، ورغبة جامعة في القيام بدور جديد في المحيط العالمي، يتيح لهم أن يتمموا رسالة أجدادهم، وأن يستأنفوا مهمة دينهم المعطلة في الداخل والخارج.
وهذه الظاهرة استيقظت في النفوس نتيجة عوامل مختلفة منها إفلاس تجارب سابقة حاولت أن تتنكر للماضي، وأن تزور المستقبل، ولهذا فإني أكاد أعتقد أن هناك شبه إجماع شعبي على أن خير ما يؤلف القلوب ويوحد الأهداف، ويلم الشعث، ويبعث على الجد، هو الاسلام، تلك حقيقة اقتنع بها حتى أولئك الذين لم تتح لهم إرادتهم الضعيفة أن يطبقوا أخلاق الاسلام في حياتهم، وان كانوا يتظاهرون به كلما دعت الضرورة لذلك، وكان من الممكن أن يقتنعوا بغير ذلك لولا أن