بعد احتلال الهند واندونيسيا ثم الجزائر وبقية الأقطار العربية، ويطول الأمر إن نحن عالجنا الأسباب التي أدت إلى ضعف المسلمين حتى سقطوا قطرا قطرا تحت نير الاستعمار المسيحي، ولكن الوضعية الراهنة هي أن الإسلام قد استطاع أن يستعيد حريته واستقلاله فأصبح قوة هامة يحسب لها حسابها.
فهل معنى ذلك أن الدعوة الإسلامية قد استعادت روح التلقائية في التوسع ومقاومة العراقيل والتبشير؟، وبالأحرى هل استعاد الإسلام قوته المنشودة؟ الواقع أن المسلمين أصبحوا اليوم قوة، ولكنها ليست قوة روحية متماسكة كما كان يتمناها قادة الفكر والإصلاح في أواخر القرن الماضي من أمثال السيد جمال الدين الأفغاني وتلاميذه من بعده، إن العالم الإسلامي اليوم قوة مادية ولكن التجاوب فيما بين أجزائه لم يبلغ الهدف المرغوب فيه، ويوم نصل إلى ذلك المستوى يمكن القول عند ذاك أن قد استعاد قوته الروحية، أي أنه سيجد صلابته وقابليته للانتشار التلقائي من جديد.
إن المشكلة بالنسبة لهذا الدين هو أنه لا يستسيغ أبدا الافتعال في الدعوة إليه، ومن ثم لا يقبل حركة التبشير بهذا الأسلوب المسيحي، ذلك أن المبدأ الأساسي واضح جلي، إنه يدعو إلى ترك المجال فسيحا وحرا في العلاقة بين العبد وربه، ولا يتدخل الإنسان إلا لشرح ما غمض على العباد من أمور دينهم لا غير، أما الوسائط فلا وجود لها، ولذلك لا يتطلب منا ديننا فقط الوقوف في وجه الحركات التبشيرية التي أصبحت تتجرا أكثر من اللازم، بل يدعونا أيضا إلى مد يد المساعدة إلى إخواننا الذين لا يعرفون العربية، ومعنى ذلك أن واجبنا يدعونا إلى مجاراة التطور والأخذ من الحضارة بنصيب وافر، فتتعلم بعثاتنا إلى الأقطار الإسلامية اللغات الأجنبية وتكون المثل الأعلى في الأخلاق والمحافظة على القيم الإسلامية لأنها ستكون السفارات الدائمة أو المؤقتة للإسلام في عصر الحضارة المادية الطاغية، إنني شخصيا قد وجدت منذ أسابيع مضت نسخة من إنجيل لوقا في صندوق بريدي، مطبوعا طبعا جيدا، وكانت دهشتي أعظم عندما عرفت أن جميع أصدقائي تلقوا نفس الهدية صباح ذلك اليوم.
على أن هذا الأمر، وإن كانت له دلالته العميقة في بلد مسلم وعربي مائة بالمائة، فإنه في الواقع يدل على أن هناك تخبطا في مناهج هذه المدارس التبشيرية، لكن هذا لا يدعونا إلى التقليل من خطر تلك الحركات، في الأقطار الأخرى، فالمعروف أن الأقليات المسلمة في أقطار عديدة، أسيوية أو إفريقية، لا تفتأ تتطلع إلى اليوم الذي ستتلقى فيه يد المساعدة من الأقطار الإسلامية المستقلة، والعربية منها على الخصوص لتتفهم دينها وتستعين بذلك على تثقيف أبنائها الذين لا يذهبون إلى المدارس الرسمية، لأنهم لا يجدون دروس الدين أو يجدون أديانا أخرى لا يريدونها، أن الآباء، بالنسبة للأقليات المسلمة، كآبائنا المحافظين على دينهم وقوميتهم أيام عهد الاستعمار البغيض، كانوا يخشون من المدرسة المسيحية أو اللادينية، فكانوا يرضون بالجهل والحرمان من الوظيفة، والابتعاد عن المشاركة في الحياة العامة أو تسيير شؤون الدولة، بسبب من تلك المحافظة أو حرصا على قوميتهم ودينهم.
لقد كان المسلمون في عدد كبير من الأقطار، يكافحون إلى عهد قريب في سبيل تحرير الوطن الإسلامي، ويمكن القول بأن جانبا كبيرا من هذا الهدف قد تحقق، فهل من الممكن بهذا فقط أن نحقق الهدفين في نفس الوقت- هدف تجديد الإسلام وإبلاغ أصوله ومعزاه إلى نفس المسلمين الذين لا يدركون منه غير الأشياء السطحية-. ثم إعادة الثقة إلى الدعوة الإسلامية، أو إعادة قدرتها على قهر جميع الحركات المعادية لها، وإذا كان هذا الدين قد غزا قلوب مئات الملايين بكيفية تلقائية بحتة، فإنه بلا شك لم يفقد هذه القدرة على الإقناع وإشباع الميول الإنسانية الفطرية إلى الاعتقاد والتدين.
إنما الواجب هو أن نلتزم، نحن الذين يمكن أن نكون قدوة إسلامية حقيقة، بالسير حسب المبادئ والقيم الإسلامية في جميع الميادين، وإذا كانت الأبعاد والمسافات قد طويت الآن بفعل المواصلات، فإننا نستطيع أن نفيد عددا ضخما من البشر في هذا المجال، لنكن فقط قدوة حسنة لهم، كما كان المسلمون الأوائل ففي إمكاننا اليوم أن نسافر ونتحدث ونشرح ونلبي طلبات الإخوة في كل مكان، وبذلك فقط يمكن أن نخلق هذا التجاوب الروحي بين أجزاء العالم الإسلامي ونخلق الفرص للدعوة لكي تنطلق وتغزو الآفاق.