دون اعتبار لروحه، أما عمر بن الخطاب فقد طبق أوامره تطبيقا كاملا حيث وجد الحجة الصحيحة على ولاته باكتسابهم أموالا طائلة زيادة على ما نالهم من وظيفة علمهم، أو غنيمة جهادهم.
وقد وقفت في كتاب الإصابة للحافظ بن حجر على قصيدة أبي المختار يزيد بن قيس بن الصعق الذي شكا فيها عمال الأهواز وغيرهم إلى عمر بن الخطاب، وكان لبقا في تمكين التهمة فيهم مع حسن تخلصه من الاستدعاء للشهادة عليهم ..
وفي نفس الوقت سمى طائفة كبيرة منهم بأسمائهم، واقترح مشاطرتهم ما اكتسبوه حيث قال لعمر بن الخطاب:
(فقاسمهم نفسي فداؤك أنهم
سيرضون ان قاسمتهم منك بالشطر
ولا تدعوني للشهادة أنني
أغيب ولكني أرى عجب الدهر
نؤوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا
فإن لهم وفرا ولسنا ذوي وفر)
قال الحافظ بن حجر، فقاسم عمر هؤلاء القوم فأخذ شطر أموالهم حتى أخذ نعلا، وترك نعلا).
ففي قوله نؤوب إذا آبوا (أي نرجع إذا رجعوا)، ونغزوا إذا غزوا، ما يوضح اتحاد عملهم وعمل الولاة، فكان من المنطق أن يكون وفر المال عند الجميع أو عدمه عند الجميع، لا أن يكون الوفر في جانب دون الآخر، ولهذا واخذهم عمر، إلا أنه لم يقتصر في مقاسمه العمال والولاة ما اكتسبوه على عمال الأهواز الذين شكاهم أبو المختار إليه، بل شاطر غيرهم من كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص، الشهير المتقدم، وعمرو بن العاص فاتح مصر، وأبي هريرة عامله على البحرين كما في كتب السير، ولعل عمله مع هؤلاء اقتضاه تطبيق المساواة بين ولاته الذين وجد عندهم فضلا من المال بل أن عمر كان يتتبع من يتجر بمال هؤلاء الولاة من أقاربهم فيشاطرهم أيضا، فقد شاطر أبا بكرة فقال له: أني لم آل لك شيئا يعني، لم أتوك لك أية ولاية، فقال: (أي عمر) أخوك على بيت المال وعشور الابلة يعطيك المال تتجر به؟ فأخذ منه عشرة آلاف .. ويقال قاسمه فأخذ شطر ماله) هـ.
وقد يقال أن هذا العمل شدة من عمر، ولكن عمر هكذا كان في الحق فقد فعل نفس العمل مع إبنيه عبيد الله، وعبد الله، ففي كتاب القراض من الموطأ عن يزيد بن أسلم عن أبيه أنه قال خرج عبيد الله وعبد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال بلي: ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المومنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المومنين، ويكون الربح لكما، فقالا، وددنا ذلك ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ .. قالا: لا، فقال عمر: أبنا أمير المومنين فأسلفكما؟ أديا المال وربحه، .. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المومنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك ضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المومنين لو جعلته قراضا، فقال عمر، قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله إبنا عمر نصف ربح المال هـ).
والغرض من الإلمام بهذا الموضوع هو توجيه الشباب إلى هذه الصفحات البيضاء من تاريخ العدالة الإسلامية.
وفي الوقت نفسه لفت نظر ولاة أمورنا، إلى لزوم تنظيم التفتيش النزيه في مختلف الجهازات والمرافق الحيوية في البلاد حتى يجعل حد للدعايات القائمة بشدة الحاجة إلى التطهير، لأن البحث النزيه يفتح باب العدالة لعقاب المسيء، ويكف النفوس عن التوجه إلى الفساد .. فتنتظم الأمور على أساس الحق والعدل، والعدل أساس الملك، وأساس العمران، والله ولي التوفيق.