السلوك والكفاءات الفنية. فبما أن النماذج والقيم تختلف من بيئة لأخرى، يتغير كذلك مفهوم الفن، وتقنياته، وبكيفية موازية.
في العالم الإسلامي، مثلا، حيث أن هناك أوامر تحرم النحت والتصوير الفني للكائن البشري، نجد أن هذه التعابير الفنية لا تلعب أي دور في المجتمع، إلى حد أن تقاليد الفرس والبيزنطيين، في هذا الميدان، قد غمرها النسيان. ولكنه، حسب القانون المعروف، عند أصحاب السيكولوجيا، بقانون التعويض، برز ونما، في الإسلام، فن جديد. عرف الشرق الإسلام، خصوصا في فارس، ضروبا جديدة من الفن (النميقة Miniature مثلا)، كما تكون، بالمغرب والأندلس، نوع آخر في الميدان المعماري في الصناعات (النقش بالخط الكوفي و «التخريم» على الجبس، ونقش الخشب والرخام، وتذهيب الجلد وصناعة الزليج والأواني .. ). إن هذه المظاهر الفنية أثرت على الذهنية الإسلامية، فجعلت المثقفين المسلمين يميلون إلى الفنون التي تعتمد على التخطيط الهندسي، وإلى الاعتناء بالأشكال والوصف، أكثر من الاعتناء التحليل النفساني وفنون الخيال.
في الفن انعكاس للشخص- الكل، في تشعبات تكوينه وبما أن الشخص يخضع لتناقضات باطنية تترابط، وتتطور، وتتوالد، وتتعقد، فإنه ينبثق من كل حالة من حالاته أثر فني يجانسها.
أن الأنا يتمركز في الكائن، ولذا كثيرا ما يفاجئ الكائن الشخص بنواحي من السلوك، ووجوه من الاختراع لم يكن يتوقعها الشخص، ولم يسبق له بها أية معرفة. فالفن يظهر كإبداع، أو ينبثق كقوة ثورية.
أن الفن (بصفته تعبيرا عن عصر من العصور، وعن جميع القوى المتضاربة التي يستمد منها المجتمع حيويته) يساهم في تكوين هذا العصر. والفنان يصارع دائما، الحتميات، فآثاره تعبير عن قساوة هذا العراك من أجل الحياة، لكنها تعبر كذلك عن آمالنا، وحماسنا، وتعشقنا للحياة. فالفعاليات الفنية، إذن، رابطة أساسية بين الكائنات الإنسانية، هذا بالإضافة إلى أنها جواب فعال للاستدعاء الذي توجهه الموضوعات لشعورنا، واتصال متين، بين عالم الفكر وعالم المحسوسات. أنها تعبير للوسط وللزمن، والقالب الضخم الذي تفرغ فيه مجموع معارف عصر ما، وعنه تنعكس درجة ثقافة هذا العصر. من هنا كان الفن أعمالا جماعية، فهو يضع طابعه على كل الفعاليات الفكرية، وكل أنواع نشاط الحياة، بصفة عامة. فالاستيتيك، حسب العرض الذي تقدم، تصير طريقة تربوية مهمة للمواقف التي نتخذها في مواجهتنا للحياة، وسلاحا للكفاح، ووسيلة لاجتياز الكائن نحو الشخص، وتعاليا من الشخص إلى الإنسان. الاستيتيك لا تنحصر في قضايا الذوق الشخصي، بل هي أكثر أتساعا من ذلك. إنها قضية ثقافية لبيئة ما، في عصر ما، تشترك فيها المعرفة (العملية والنظرية) مع الضروب الخاصة لتفهم الأشياء، وللإحساس، والتأثر. كان القصصي الفرنسي بالزاك يطلب من الفنان الرسام أن يصور له في اللوحة الزيتية، أشخاصا بآلامهم وأحزانهم وهمومهم، بحيث يضطر المشاهد لهذا الأثر الفني أن يتأمل في حياتهم. أليس لغز الفن في القوة السرية التي تخول الفنان من أن يعطي للمادة الجامدة، حياة ونبلا، ويجعل منها شاهدا أمينا، يقارع الزمن، معبرا عن جبروت إرادة الكائن البشري وعقله، وإحساسه؟.
أن التغيرات التي تعتري الفن، ترجع إلى كونه يسير مع الصيرورة التاريخية، في تشخصنها، ويتطور مع التاريخ على الشكل الذي يتبعه الشخص، في نزوعه إلى تحقيق الإنسان. فالفن يماشي سير حياة البيئات التي يتكون فيها، وتطور المادة التي بها يتجسم. من هنا كان أعظم انتصار يحرزه الكائن البشري على الأقنعة التي تتركب منها شخصياته، وعلى المادة التي تخلد بها آثاره، وعلى الحتميات التي يتحرر من قيودها.