تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 22

تربية النشء

للأستاذ: أحمد بن محمد الزيتوني

جاء في حديث صحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:

"كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه".

رأينا بمناسبة افتتاح السنة الدراسية أنه من الخير نشر حديث يتعلق بتربية النشء، ذلكم النشء الذي سيكون منه الآباء وأمهات الغد، ذلك النشء الذي تعلق عليه الأمة الآمال الطويلة العريضة في الأخذ بيدها وإصلاح دينها ودنياها وانتشالها من كبوتها والسير بها قدما نحو استرجاعها على أريكة المجد والسؤدد.

لقد قرر الرسول الكريم في هذا الحديث الشريف أن تربية الصغار هي من السهولة بمكان إذ طل مولود قد خلقه الله على الفطرة النقية التي لا يشوبها أي كدر يحتاج في تنقيته وتطهيره إلى بذل مجهود ما. ومعنى هذا أن المواليد خلقوا على استعداد تام لقبول كل خير وقد رشحتهم الإرادة الربانية للسير على الصراط السوي، ما لم يصدهم عنها دعاة الزيغ والانحراف وأبالسة الوساوس والإرجاف، فما على الأبوين سوى شدة التيقظ في الحراسة والمحافظة على تلك الفطرة الطاهرة الزكية والإبقاء عليها حتى لا يتسرب إليها من طفيليات المساوئ وما يكدر رونقها أو يعكر صفاءها أو يحول زلالها رنقا، وإعطائهم فرصة تمكنهم من الإيمان بدينهم وبقوميتهم وبسالف أمجادهم

إن مغربنا اليوم لفي أحوج الظروف إلى إعداد جيل الغد وتحويله رصيدا جيدا لبناء صرح المجتمع المغربي العظيم السالم من عوامل الانحلال، وطيد الأركان شامل البنيان، لقد كان من السهل على الأبوين -وقد ألقيت عليهما المسؤولية الأولى من الله ومن الأمة - أن يأخذا- لو شاءا- بيد هذه الأمة وينعشاها من أمراض الانحلال وأدواء التفسخ، وذلك بصرف الاعتناء إلى تربية أولادهم، الأمر الذي جعله الله أمانة طوق بها أعناق جميع الآباء وهم سيسألون عنها غدا أمام الملك الديان.

في إمكان الآباء والأمهات - لو شاءوا- أن يكونوا النشء تكوينا صالحا وأن يربوهم تربية يستضيئون بنورها في سلوكهم الفردي والجماعي ويعيشون بفضلها سعداء في هذه الدنيا وفي دار البقاء، ويسدون بذلك إلى أمتهم ومجتمعهم اليد البيضاء، وذلك - لعمري- أفضل تركة يورثها الآباء لأولادهم، وأحسن مدخر يأوي إليه الأبناء بعد آبائهم وتسعد به البنات في بيوت أزواجهن، ويبنون مجتمعا سعيدا رافلا في حلل العز والسؤدد.

أيها الآباء والأمهات الشفقاء، إن من طبيعتكم أن تستخفوا حمل كل المشاق وتستسهلوا كل التضحيات في سبيل أولادكم ماديا ليس في مدة من حياتكم فحسب بل تبذلون نفس التضحية في سبيل جمع المال ليستديم رغد العيش لأولادكم ولو بعد موتكم، فلا تسنح لكم فرصة إلا اغتنمتموها ولا تواتيكم بادرة إلا اهتبلتموها، وربما استهان البعض حتى بدينه في سبيل حشد الحطام وادخاره، ولو شاء أحد التأكد من هذه الرغبة فسأل أحدكم قائلا: علام هذا التعب الزائد؟، ولماذا تبذلون هذا الجهد الجاهد؟، فإن ما تذبلون من جرائه زهرة حياتكم وما تنفقون في سبيله

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٦٣