تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 15

نشوء التفكير الفلسفي في الإسلام

للأستاذ: محمد عبد المالك الكتاني

كان الاختلاف السياسي غداة وفاة الرسول عليه السلام حول مسألة الخلافة هو الشرارة الأولى التي أنقدح لها الفكر الإسلامي في الواقع، وقدر لها بعد ذلك أن توجه التفكير العربي طرائق مختلفة، صيغت على أساسها فيما بعد مذاهب شتى دينية وسياسية، فقد استحال الاختلاف عند المسلمين من صيغته السياسية إلى جدل في العقائد، وأصبحت كل مشكلة اجتماعية كانت أم سياسية تصطبغ بالصيغة الدينية أول ما تصطبغ، وتتصل -بحكم تغلغل بجذورها الدينية أول ما تتصل، وهكذا يصبح مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، أو نفي أبي ذر، أو التحكيم السياسي، ليس فقط مظهرا لانقلابات اجتماعية أو سياسية، وإنما هي أحداث في المستوى الديني أيضا، ولها تبريراتها الدينية، والواقع أنها كذلك ما دام الدين الإسلامي لا يقصر نفوذه على مجال دون آخر، لقد كانت أحداث الخلافة وتطور المجتمع العربي آثر الفتوحات في سباق مع الزمن كما نشأت مفاهيم مختلفة حول الخلافة أثارت جدلا كما أثارت معارك، واتخذت هذه الاختلافات أشكالها السياسية فيما بعد.

كان المسلمون يعيشون هذه الأزمة السياسية الدينية من ناحية، ويفتحون أمما وبلادا جديدة، ويتصلون بحكم هذه الفتوحات بشعوب جديدة تأخذ بعقائد مختلفة من مسيحية ويهودية وغنوصية شرقية، من ناحية أخرى، فقدر لهم أن يواجهوا نوعا من التحدي لعقيدتهم بتلك المعتقدات المفلسفة، والجدل الممنطق وذلك في مستوى أوسع وأخطر مما كان يثار على عهد رسول الله صلوات الله عليه، فالقرءان نفسه أثبت ذلك التحدي القديم في صيغ معروفة كمسألة القضاء والقدر، والجبر والاختيار، وطبيعة السيد المسيح عليه السلام، ومسألة الروح وغير ذلك من المسائل التي تدل دلالة قاطعة أن مناخا من الجدل والتحدي قد عاشه الرسول، فكان تحديد موقف الإسلام منه نواة التفكير الفلسفي في الإسلام.

ولقد انطوى هذا التحدي الذي انبثق خاصة من صفوف من أسلموا من يهود ونصارى وصابئة وبراهمة ومانويين على أسلوب خاص، فكان هؤلاء يعرضون لبعض ما يرونه تناقضا في ظاهر القرءان بين آيات تقول بالجبر وأخرى تعلن حرية الإنسان وآيات تنزه الباري تعالى تنزيها مطلقا عن كل تشبيه وأخرى تقتضي التجسيد والتجسيم، فكان على الفكر الإسلامي أن يواجه هذا التحدي بالرد على خصومه في الواقع، فكان من ذلك جدل عظيم.

ومن خلال هذا التحدي العنيف الذي واجهه المسلمون، وذلك الاختلاف السياسي العميق بينهم حول مسألة الخلافة وما نتج عنه من جدل ديني نشأة المعتزلة ليمثلوا الدور التمهيدي لظهور الفلسفة الإسلامية.

ويعزو الأستاذ زهدي حسن جار الله - وهو من الذين بحثوا في المعتزلة بحثا علميا مستفيضا- بعزو ظهور المعتزلة إلى أربعة عوامل مفصلا ذلك الإجمال الذي ألمعت إليه، وهذه العوامل كما يلي:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٥٦