وقبول أوامر الطبيعة الصادرة من الغرائز، والجري على سنن الطبيعة الصامتة وتقليدها في تواضع).
ويرى الدويون:
- أن التفكير أمر عارض سطحي لا خير فيه إلا للجدل والمحاجة، يضر الحياة أكثر مما ينفعها.
- وأن العلم ليس فضيلة، بل إن السفلة قد زاد عددهم من يوم انتشر العلم.
- وأن شر أنواع الحكومات التي يمكن تصورها هي حكومة الفلاسفة.
- وأن صاحب الفكر خطر على الدولة، لأنه لا يفكر إلا في الأنظمة والقوانين.
- وإن كثرة النواهي والمحرمات في المملكة تزيد من فقر الآهلين.
- وأنه كلما كثرت الشرائع والقوانين كثر عدد اللصوص وقطاع الطرق.
ولا نرى في هذه العقائد الدوية المنادية بالعودة إلى الطبيعة وحياتها، والمنفرة من القوانين وأحكامها، إلا ردة على ظلم القوانين التي كان يصدرها الطغاة النافذون، وكان من جملتها ما أصدرته ولايتا (جنج) و (تشين) في عامي 535 - 512 ق. م. من قوانين ملأت قلوب الفلاحين رعبا، بما تميزت به من أقرار نظام الطبقات كما كان الأمر في شريعة مانو الهندية، وبمحاباة الطبقات العليا، فقد أعفتها من كثير من الواجبات المفروضة على غيرها من الطبقات العامة الأخرى.
ولقد احتج عامة الشعب على هذه التفرقة، وتمنوا أن يقوم بينهم وطني مخلص يحررهم من ظلم القوانين.
وهكذا عمدت العقائد الدوية في الصين إلى الدعوة للعمل بأحكام الطبيعة وذلك لتعالج بها مساوئ النظام السائد، والمحاباة بين الطبقات، وطغيان الحاكمين، وتحرير العامة من ظلم القوانين.
وأقامت من عقائدها حول مفاهيم الطبيعة ولاحتكاك إليها حربا في آن واحد على العقل وعلى العلم، حتى اصطبغت حكمتها بصبغة جامدة متزمتة، ووقف في طريق الدوافع الطبيعية نفسها، تلك الدوافع الطبيعية القوية المحركة للجنس البشري.
وأعان ما في حكمتها من كمال بارد على تجميد الأمة الصينية، وجعلها أمة محافظة لا يضارع عداءها للرقي إلا حبها للسلام، مثلها في ذلك مثل الفلسفة الكونفوشية الصينية التي أقامت حربا أيضا على القوانين لما كان فيها من ظلم، ودعت إلى مقاومتها، ولكن تحت ستار الدعوة إلى القانون الأخلاقي عوضا عن دعوة الدويين إلى أحكام القانون الطبيعي.
ويقول بعض حكماء الدويين في التعبير عن حكمتهم التي أصبغت بتلك الصبغة الجامدة المتزمتة: لن أفعل شيئا فيتبدل الناس من تلقاء أنفسهم، وسأولع بأن أبقى ساكنا فينصلح الناس من تلقاء أنفسهم .. وسيرون أن طعامهم الخشن وملابسهم وأساليبهم المألوفة مصادر للذة والمتعة.
نظام الطبقات لدى الهنود في ظل شريعة مانو:
ولم يكن النظام السائد في الهند إلى جانب الصين بأحسن حالا تحت شريعة (مانوا) التي كانت متحكمة في الهند في نفس الوقت.
و (مانو) هذا يطلق عند الهنود على كل من الملوك المؤلهين السبعة الذين حكموا العالم، كما يطلق (فرعون) عند المصريين على ملوك مصر القدماء، وإلى أول هؤلاء الملوك المؤلهين أو حيث شريعة (مانو) من لدن الإله (براهما) نفسه.
ولقد أشادت هذه الشريعة مرة بعد أخرى بنظام الطبقات، وأشادت بطبقة البراهمة في فضائلها وحقوقها ونفوذها، وما نزال نرى وثائق منذ القرن الثاني بعد الميلاد بمنح عظيمة - خصوصا إقطاعيات الأرض- توهب لطبقة البراهمة، وكان شأنها شأن أملاك البراهمة: كلها (معفاة) من الضرائب، لأن تشريع (مانو) يحذر الملك من فرض ضريبة على برهمي، ولو نضبت كل موارد المال الأخرى. وينص تشريع (مانو) على أن يكون من حق البرهمي سيادته على سائر الكائنات، بل يذهب مانو في ذلك ويقرر أن (كل ما كان في الوجود ملك للبراهمة).
وكلمة أخيرة عن شريعة مانو: أنها أبرزت نظام الطبقات والتمايز فيها بالحقوق، ولا نزال نلمس أثرها حتى اليوم في القسوة على المنبوذين وهي من الطبقة الدنيا، ولقد حاول الزعيم غاندي في عصرنا إنقاذ هذه الطبقة مما وضعت فيه، فكانت محاولته هذه من جملة العوامل التي أدت إلى اغتياله من قبل بعض الفرق الهندية المتشددة في عقائدها.