تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يعلم الله سبب تلك الرائية المنبعثة من أعماق قلب لتنفجر في قلب. وقبل نجد الكاتب المؤرخ أبا القاسم الزياني يكتب مقامة كلها بذاء وفحش صوب سهامه لأحد معاصريه من أبناء البيوتات الفاسية انتقاما منه لشيء شخصي تافه يتحاشى عنه أمثال الزياني -الكاتب الخطير في الدولة.

نعم ينفق هذا الإنتاج المليء إقذاعا وسخطا في بساط تهيأ عشاقه للتشفي قائلين: «لم آمر بها ولم تسؤنى» ثم ما دالية شاعر الحمراء المرحوم ابن إبراهيم في المطعم البلدي بطنجة ببعيدة عن أذهان قرائه، الدالية التي رمى بها قذيفة دوت في جنبات النزل فضعضعت أركانه وزلزلت انتعاشه واقتصاده حالة كاد يشرف معها على الإصباح في خبر كان تأثرا من قوة قذيفته الحادة.

فكانت هذه وما إليها من مجالس أدبية وأندية علمية يعقدها الأدباء دوريا من آن لآخر في مقدمة بواعث النهضة الأدبية بالمغرب يجري أغلبها في فن المساجلات والمطارحات المذكية روح التنافس والبحث في مضامين الأدب الرفيع والكشف عن ينابيع ثروته الغالية رغبة في رفع مستواهم الثقافي، وإحاطته بإطار الدقة والتمكن والخروج بمدرسته من بإطار الدقة والتمكن والخروج بمدرسته من مضيق الاعتزالية الخانقة إلى ساحة الانطلاق والتفتح، والعيش بين أفانين روضته اليانعة، وأظنني لست في حاجة إلى تسمية بعض هذه الأندية والتعرض لمن كان يحضرها من الكتاب والأدباء ولا لشيء من إنتاجهم الذي كان كثمرة من مجالسها لا زالت لذاذتها تعاود من ساعدهم الحظ بالمشاركة في خواتمها، غير أنه ويا للأسف لم يقدر لتلك النهضة أن تعيش وتترعرع في أحضان مجالسها المثالية بل كبتت لوجهها فغمرتها موجة الاحتلال وأقبر معالمها الاستعمار الفرنسي الغاشم واخمد فورتها الفكرية وضرب عليها حصارا سميكا حنق أنفاسها، وأوقف نشاطها وأوغر في صدر حركتها رعبا شتت أنديتها، وباعد ما بينها وبين أفرادها فتفرقوا على أبراجهم متعلقين بأهداب الانفرادية التي قل آن تنتج وإذا قدر لها ذلك فإنتاج لا تستسيغه أفكار جمهرة الكتاب والأدباء حيث يكون من النوع الهزيل البعيد عن الإشعاع المشرق والمنبعث عن الأخذ والرد وأعمال البحث المشاع بين آراء وأذهان تبدع لا محالة إنتاجا يتلائم والحياة الإنسانية المتجددة، أضف إلى هذا ما نشأ عن هذا الكبت في صفوف الأدباء المنشئين من أفكار بالية قامت على ساق الأوهام والخرافات -وأن الأدب فن لا يدخل في عريق المعرفة وجذورها، حسبه أنه فن يتلهى به كل شخص عضه الدهر بنابه، وركعت به عواطف الزمن، وتناولته الفلكة فيمن تناولته حتى قيل «فلان أدركته حرفة الأدب» إلى هذا الحد يصل الأدب عند المائعين ممن جفت قرائحهم، وتحجرت أذهانهم، وبعدوا عن مضمون الأدب الحق- فأنثالوا عليه انثيالا يكيلون له أنواع الحط والرمي بكل ما يمكن أن يصبح معه ذريعة تفت في عضد الناشئين الذين أنبتهم العصر، وهيأهم بجبلة النشأة الأولى وشرخ الشباب الرطيب لينغمروا في زمرة الأدباء ويحتكوا بفنية الأدب في جدته وطراوته-.

هكذا نرى هذه الفكرة تتسع في أذهان المجموع من أنصاف المثقفين أو أرباعهم فيضعون الأدب وفنونه الأساسية على الهامش جهلا منهم بأصوله التي فرعها رجال الثقافة من الأول -إلى اثنى عشر فرعا، في مقدمتها علوم البلاغة واللغة والتاريخ وهي بطبيعتها من العلوم الإنسانية الكفيلة بتلقيح الأفكار وتلطيف العواطف وتجويد الرأي- فكرة أعان على بثها الاستعمار، وسعى في نشرها بشتى وسائله المخزنية، وعاد الأدب في نظر هذه الطائفة المائعة حديث خرافة، وأحاجي مسلية بتفكه بها كل من اتسع فكره للمضللين والمحاربين للغة الضاد والعروبة ومقاومة أبناء الثقافة العربية الذين هيأهم القدر للحفاظ على ثراتها الأدبي الخالد، والعمل على صيانته ولو من أعلى أبراج عاجية وفوق شرفات انعزالية، فليهمس التاريخ في آذان هؤلاء العملاء، والمغرورين ممن عملت دعاية الهدم في نفوسهم ووجدت منفذا للتسرب إلى أدمغتهم فتنكروا للعروبة وآثارها، وأصبحوا معاول هدامة في يد الاستعمار يسخرها في أغراضه ويستخدمها في مناواة المقومات الإسلامية، وتحطيم قيمتها الثابتة -إنهم لا محالة آثبون بالفشل الذريع والفخزي المردي، ويا ليت شعري لو منحت أفكارهم أدنى إشعاع لأدركوا من بعيد ما يحاك لهم أنفسهم ولآدابهم في العلب والخفاء من مكايد وشرور تنذر بتقويض معنوياتهم، وتنغيص حياتهم، والتطويح بهم في مهاوي التنكر لمقوماتهم العربية، والرمي بها نهائيا في أحضان العجمة التي لا تنفك تناصب العداء لهم وللغتهم، والعمل بأقوى الجهود لتشويهها، وطمي معالمها؛ وليشهد التاريخ الأمين كذلك لافتا نظر هذه الفئة الطائشة أو الجاهلة إن شئت أن بعض

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٢٥