تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمام حضارة الغرب عموما وحضارة فرنسا خاصة، ثم الشعور بالنقص والاستصغار عند المقارنة والمقابلة، وهذا الرادع النفسي الخطير من شأنه أن يعطل القوة الحية فينا ويقعدنا فنكف عن الإنتاج والتسابق مع الأمم الحية الراقية ونكتفي بحياة التبعية والاستهلاك، هذا الشعور بالعقم الثقافي والحضاري سلاح الاستعمار في كل بلد محتل لأنه ضمان على إبقاء العهد البائد وضمان لسطوته على عقولنا، ونحن لو نظرنا قليلا في ماضي حضارتنا لتأكدنا أننا شعب خلاق مبدع تركنا آثارا خالدة في العمران والفكر الإنساني، وأننا اليوم بدأنا هذا الزحف المقدس فنحن لا نقل ذكاء عن أعرق الأمم حضارة ولسنا أقل استعدادا للبناء الدائم وإنما عاقتنا ظروف قاهرة فلجأنا إلى الركود والى ما يشبه العطالة، أما إذا آمنا بأنفسنا واسترجعنا تلك الثقة بمواهبنا لرأيتنا نحقق المعجزات في كافة ميادين النشاط البشري، إننا لفي حاجة إلى تذكير بعضنا بهذه الحقيقة الملموسة، وتطعيم الجيل الناهض بهذا الإحساس بالقوة والكرامة والأصالة.

وإذا كانت بالنفس دوافع نحو البناء والتحقيق فهي لا تكفي في العمل الحضاري الذي يقوم أول ما يقوم على المجتمع كهيأة تعرف وظيفتها وتشعر بوجودها ولذلك لابد للإصلاح الاجتماعي أولا وقبل كل شيء أن يكون ملائما لطبيعة المجتمع منسجما مع مقوماته الأساسية، فلا نعمل كما فعل مصطفى كمال في محاولته القضاء على آثار الإسلام في تركيا، فكأنه حاول إخماد غرائز في أعماق الشعب التركي وهيهات أن يستطيع، وكذلك الحركة الشيوعية التي حاولت إزالة الطبقات تامة ومنع الملكية الفردية وإبدال الإيمان بالله بالإيمان بالحزب، ومحاولة الاستعمار ببلادنا ليست بعيدة عنا حينما صمم على إهانة اللغة العربية وقتل كل إحساس بالكرامة الوطنية المتحررة وإدخال عادات تتنافى مع تربيتنا الإسلامية، فالإصلاح الناجح هو الإصلاح الذي يأخذ مواد البناء من الواقع الاجتماعي الحي القابل للبقاء أما أن نحاول التغيير الجذري والبناء في الهواء فهذا عمل فاشل يحتضر وهو في المهد قبل النمو والتكامل.

والإصلاح الاجتماعي الحقيقي يبدأ من اللبنة الاجتماعية الأولى والخلية الأساسية في كيان المجتمع وهي الأسرة، والمتتبع لتطور الأسرة يكاد يستنتج أنها في طريق الانحلال، ونحن نعلم جيدا أن وجود الأسرة أمر ضروري ولازم في سلامة المجتمع، وانحلال الأسرة الظاهري آت من أن الأسرة فقدت ثلاثة أركان أساسية: فقدت أفرادها وفقدت وظيفتها وفقدت سلطة الزوج.

لقد كانت الأسرة في الشعوب البدائية تضم كافة أفراد القبيلة بناء على علاقة الدم والجوار والعصبية وكلما ارتقى المجتمع كلما تخلص من نسبية الجوار والعصبية مكتفيا بعلاقة الدم التي كانت هي بحد ذاتها واسعة النطاق تشمل الأقرباء الأبعدين والأقربين، ولكن التطور فعل فعلته حتى في هذه العلاقة، إننا أصبحنا اليوم من الأسرة الحديثة الزوج والزوجة والأولاد فقط بل إن الأسرة في البلاد الاشتراكية أصبحت تعني الزوج وزوجته على اعتبار أن الدولة هي التي تضم إليها الأولاد، ونحن لو سرنا في هذا المنطق التسلسلي لحكمنا على أن الأسرة ستنعدم في المستقبل وتبقى العلاقة بين الزوجين علاقة استمتاع فقط، والجانب الثاني لانحلال الأسرة آت من أنها فقدت كل الوظائف التي كانت تتمتع بها فيما مضى لان الدولة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى أخذت منها هذه الوظائف: كانت الأسرة تقوم بكل شؤون الحياة ولا تعول على أحد، فكانت تربي وتعلم الأولاد وتدربهم على حرفة من الحرف وكانت الزوجة تخيط الثياب وتحيك المفروشات وتربي الدواجن والأغنام وكان الزوج يقوم بوظيفة النجار والحطاب والبقال والحذاء والقاضي والبوليس الخ. أما في المجتمعات الحديثة فنرى هيئات أخرى تسلمت هذه الوظائف واختصت بها، وهنالك جانب ثالث طرأ عليه الكثير من التغيير وهو المتعلق بسلطة الأب والزوج وبتبعية الزوجة والأولاد، لقد كانت سلطة الأب أو الوزج فيما مضى مطلقة عنيفة لا تقبل المهاودة، كانت له الكلمة العليا وهو صاحب القول المطلق الذي لا يناقش، أما اليوم فبفضل التعليم والحياة الديمقراطية وخروج المرأة إلى الحياة العملية واستقلالها المادي نرى سيادة الأب أو الزوج تتقلص ويكاد يصبح شخصا غير موجود لا كلمة له ولا أمر، وإذا كانت سلطة الأب هي الرباط للأسرة فإن رابطة أخرى تقوم مقامها اليوم بعد أن حصل استقلال أفراد العائلة؟ وهل معنى هذا أن الأسرة أصبحت تحتضر؟ إن علماء الاجتماع يؤكدون بشكل يكاد يكون إجماعيا على أن الأسرة يجب أن تبقى ولو بمفهومها الحديث الضيق وأن ضياعها وانحلالها هو ضياع المجتمع برمته ودليل هذا أن جميع المجتمعات البشرية القديمة والحديثة كانت مرتبطة بوجود الأسرة ولا يعرف التاريخ أمة كانت الأسرة فيها معدومة، وإذا كانت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦١٧