كمغاربة، إنهم إذا لم «يمغربوا» ما عملوا، وما داموا مقتنعين بان ما تعلموه لا يمكن أن «يتمثل» من قبلهم «تمثيلا» مغربيا، لن يفيدوا المغرب شيئا، ولن يجني المغرب من ورائهم نفعا، ولن تتقدم ثقافتنا بوجودهم شبرا، وأحسن للمغرب أن يستورد مثقفين تامي الثقافة من مختلف هذه البلاد من أن ينتظر تخرج هؤلاء المثقفين الذين لا يزيدون عن كونهم نسخة منقوصة من ثقافة أجنبية، عملية تمثل الثقافة الأجنبية تجعل مثقفينا يلتقون على صعيد واحد في التفكير، ويجتمعون على طريقة واحدة في الإصلاح، وعلى منهج واحد في الثقافة ومن مزاج هذه الثقافات المتنوعة تكون الثقافة المغربية، ويكون الفكر المغربي الذي يأخذ بقدر ما يعطي.
إلى جانب هذين النوعين من الثقافة، هنالك نوع ثالث من الثقافة نطلق عليه اسم «الثقافة العربية» وأصحاب هذه الثقافة قد تلقوها في المدارس الوطنية الحرة قبل الاستقلال، أو في بيوتهم أو في الكتاكيت «المسايد القرآنية» وأتيح لبعضهم أن يشاركوا في الحياة العامة، بثقافتهم هذه -على ضعفها- وسمحت الظروف لطائفة أخرى منهم أن يتابع دراسته في الخارج.
إن الطريقة الغالبة على تفكير هؤلاء هي الطريقة الأدبية، فهم يعيشون في جو (رومانسي) خيالي مع كتاب أو قصة أو رواية، يدورون في فلك مؤلف من المؤلفين، وطريقته في الكتابة والتأليف، ويحسبون أن ذلك كل شيء في الثقافة وأن العالم هو «الحرف» أو «الكلمة» أو «السحر» كما يعبرون، هذا الفلك الضيق ليس شيئا، وهو أضيق أنواع الثقافة التي تنتشر في المغرب في هذه الأيام، وأصحابه أكثر اندفاعا وحماسة نحو «المغربة» والتعريب وغير ذلك من الشعارات الوطنية التي لا يحققها الصياح أو الصراخ، وإنما تحققها الثقافة العلمية المنظمة التي يعتد بها عندنا وعند غيرنا من الناس. ثقافة هؤلاء ضررها أكثر من نفعها، هم إلى الجاهلين المتعلمين أقرب منهم إلى أي نوع آخر من المثقفين، هم أكثر غرورا وأقل عملا .. وكلما قل علم الإنسان أو عمله زاد غروره، وقويت دعواه.
وأما الطائفة الأخرى التي تلقت تعليمها العالي في الأقطار العربية، فلا يسعنا إلا أن نسلكها في زمرة إخوانهم الآخرين من المثقفين ثقافة تقليدية أو عصرية، ولكنهم -هم الآخرون- بحاجة إلى تمثيل بعض ما يتلقونه في لشرق إذا لم نقل كل مل تلقوه من ثقافة هناك، ليستطيعوا التفاهم مع إخوانهم المتخرجين من الغرب، ومن القرويين، وإلا فسيكونون لونا ثقافيا جديدا يضاف إلى الألوان الاسبانية والفرنسية والإنجليزية وندعوه باللون العربي المترجم.
هذه الطائفة يقع عليها عبء ثقيل في تقريب وجهات النظر الثقافية والفكرية، وربط الصلة بين هذه الألوان الملونة من الثقافات الحديثة منها والقديمة، بحكم ما لهم من دراسات أخذت من الحديث بنصيب، كما أخذت من القديم بمصل ذلك، وعليهم تقع تبعة القيام بهذه المهمة والنجاح في القيام بها.
تلك هي التيارات المختلفة التي تتكون منها الثقافة المغربية، وهي كما عبرت، ليست ثقافة مغربية خالصة، وإنما هي تيارات مختلفة، وعناصر متعددة في ثقافة تحتاج إلى التمثل، وإلى الملاءمة، وإلى المزج، وإلى تأليف بعضها مع بعض، لتكون منها ثقافة مغربية، تستفيد وتفيد.