الثقافة على أنها تهذيب للنفوس، وأرهاف للأرواح، وسمو بالأفكار، وخروج بالإنسان من ميدان الحيوانية المحضة إلى ميدان «الإنسانية» في نظرتها السامية إلى الوجود والغاية من هذا الوجود؟
وليت أذيع سرا إذا ذكرت أن لنا إخوانا في الشرق العربي قد عاشوا نفس هذه التجربة، واكتووا بنارها زمنا، ولكنهم اعتدوا دون شك إلى الحل المعقول المنطقي حين قرروا في سياستهم التثقيفية سلوك منهج وسط يعتبر المادة وسيلة والروح غاية، وأن الثقافة تعتمد على المادة وحده، بل على أساس أن المادة سند ودعامة، إن لم تستعمل للهجوم وجب أن تستعمل للدفاع، أما الغاية من الثقافة فهي في التحليل النهائي روحية معنوية: هي ضمان الكرامة الشخصية للفرد، والسعادة للمجموع عن طريق حمايته بواسطة الثقافة من أعدائه التقليديين: الجهل، والفقر، والمرض؛ إن كرامة الفرد وسعادة المجموع قد تبلورت في الشرق العربي المتحرر تحت شعار «القومية العربية» فأصبحت جميع الأجهزة الثقافية تخدم هذا الشعار وتوجه نحو أهدافه وغاياته، يكفي لتتأكد من صدق ذلك أن نلقي نظرة ولو عجلى على أي كتاب من الكتب الدراسية المقررة بالجمهورية العربية المتحدة فنجد أن الروح العامة التي تنتظمها مطبوعة بطوابع هذه القومية مصقولة بصاقلها، فلم لا نبدأ نحن -الأمة المغربية العربية- من هذه النقطة التي انتهى إليها إخواننا في الشرق. سوف تقول: إن المغرب هو الآخر قد أعلن عن «القومية العربية» كمبدأ له في أكثر من مناسبة، على لسان جلالة المغفور له «محمد الخامس» قدس الله سره، وعلى لسان صاحب الجلالة «الحسن الثاني» أطال اله عمره، وعلى لسان المسؤولين من الدوائر الرسمية ...
أجل ... لقد كان ذلك كذلك، ولكن ثغرات جد واسعة لا تزال في المغرب، يتسرب منها الشك إن لم يكن الهدم والتخريب نحو هذا الهدف السامي يجب أن تسد بكامل العناية وبالغ الحذر، هذه الثغرات يجب أن يتعاون الشعب مع المسؤولين في وضع أصابعهم عليها، وأعطي أقرب مثال لذلك هؤلاء الأساتذة «الأجانب» الذين يدرسون مادة «التاريخ» لتلامذتنا في المدارس الثانوية، إذ ثبت بأكثر دليل على أن أغلبهم يتخذون هذه المادة وسيلة إلى تشويه وقائع التاريخ، خصوصا الإسلامي العربي، تشويها يبعث التلاميذ على الشك في قيمة الإسلام والعروبة، وينحو بهم نحو التنكر لماضيهم، أي مستقبل للثقافة يمكن أن ينبني على أساس الكفر بالماضي؟ أو ليس «التاريخ» هو «ذاكرة الشعوب» كما يقرون؟
إن مادة التاريخ يجب أن تسند لأساتذة عرب، آمنوا بماضيهم العربي المشرف، ونظروا إلى «التاريخ» كمادة طبيعة وروحية لصنع الأفراد وبناء الشعوب، كما يجب أن يكون محورها الذي تدور عليه الإيمان بالكفرة الإسلامية والقومية العربية.
وفي نطاق هذه الظروف التي نعيشها تبرز «اللغة» كمشكلة لها هي الأخرى خطورتها ونتائجها على مستقبلنا الثقافي في المغرب، فمن الملموس أن لغتين أجنبيتين قد تجاذبتا أطراف الثقافة بالمغرب أثناء فترة الاحتلال، وهما وإن لم تفلحا في إخماد جذوة اللغة العربية القومية بالمغرب، فقد اضطرتا فئات من المثقفين بهما إلى الدفاع عن وجودهما لا على اعتبار أن اللغات الحية لها دورها إلهام في حياة القرن العشرين بشتى مظاهرها السياسية والثقافية والاجتماعية، بل على أساس التعصب لهذه اللغة الأجنبية أو تلك على حساب اللغة القومية، تعصبا يدفع إليه شعور هؤلاء الناس الداخلي بأن وجودهم مستمد من وجود هذه اللغة الأجنبية بالمغرب ومستند إليه، لقصر باعهم في اللغة القومية للبلاد، أو جهلهم إياها جهلا كاملا اضطرتهم ظروفهم الثقافية الخاصة إليه، ومن الحسنات التي أذكرها للمسؤولين بكامل التقدير «حملة التعريب» التي شنوها لتعليم الموظفين المغاربة اللغة العربية، ولكنني من باب الإخلاص لله والوكن أذكر أن الوسائل التي اتخذت لتحقيق الغاية من هذه الحملة وسائل في نظري جد قاصرة، بسبب عقم «الطريقة» وعدم الدقة في اختيار كل من المشرفين والمدرسين، ففي رأيي أن الطريقة «السمعية البصرية» وهي طريقة معروفة في دوائر رجال «التربية الأساسية» بالمغرب -أجدى الطرق وأقومها وأسرعها في تعليم اللغة للكبار، كما أن الأستاذ يجب أن يختار من بين الذين سبقت لهم خبرة واسعة في ميدان تعليم اللغة العربية بالذات، ومن المطلعين على مغالقها وأسرارها.