تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوما من الايام لغة الحضارة والفكر الرفيع والادب المكتوب، لان العامية كانت دوما اداة التعبير عن الحاجيات المادية اليومية التي تتناولها فئة من الناس وهذه العامية متى احتوت على معاني جليلة انتقلت حتما من لغة عامية سطحية إلى لغة ارقى هي لغة الادب والفلسفة أي إلى لغة فصحى، وقد سمعنا الفلسفة الاشتراكية والشيوعية تردد مفهوما وهو ان مجتمع الغد سيكون مجتمعا بدون طبقات وان تقسيم اللغة إلى سفلى وعليا وهو تقسيم بورجوازي راسمالي، ونحن اذا سلمنا جدلا بان التوحيد سيحصل بين طبقات الشعب فهو حاصل في الاقتصاد والدخل الفردي اما فيما يتعلق بالفكر والذكاء فلن يقع التوحيد ولن نرى ملايين من انشتاين وعباس محمود العقاد وملايين من شوقي وسارتر مهما تقدم العلم ومهما تقدمت البشرية والا فسوف نجد خليقة اخرى من العباد وجنسا اخر من الناس قد يكونون من افلاك سماوية اخرى، ولكن لن يكونوا من الارض وفي الارض.

اذن فلا داعي لفرض لغة واحدة على كافة الناس، ولغة الفكر الراقي سوف تبقى الفصحى مهما قيل ويقال.

ولكن يجب الا ننسى ان هذه الفصحى سوف لا تشبه تمام الشبه لغة جرير والفرزدق بل سوف تاخذ لون العصر الذي تعيش فيه وهو يتصف بتقارب الطبقات - لا اندماجها - وشيوع القراء والمثقفين نظرا لتاثير الصحافة والكتاب والاداعة، فالفصحى التي ستكون لغة الادب المغربي هي فصحى متوسطة أي انها ليست لغة راقية ومعقدة جدا ولا هي سوقية من الدرك الاسفل.

اما ان يكون مستقبل ادب المغرب العربي مكتوبا بالفرنسية فهذا مالا يقبله عاقل متبصر، فالاديب الاصيل هو الذي لا يفصل بين التجربة الادبية وبين اللغة التي عاشتها هذه التجربة والاوقع التشويه والازدواجية، هذه الفكرة اثارت الكثير من الاتثغراب بل راى بعضهم انه لا يرى اي فرق بين ان يكون الادب العربي بلغة عربية او انجليزية مادام المهم في الموضوع هو المضمون والمعاني لا اللغة وهي اداة نقل فقط، هذا الراي لا يؤيده النقد الادبي الحديث ولو اطلع اصحاب هذه الاقوال على نظرية علم الاجتماع وعلوم اللغة لفكروا قليلى قبل ابداء ما ارتاؤوه، اول هذه الحقائق المعروفة في النقد الادبي الحديث هي ان اللغة تنقسم الى قسمين: لغة التجريد والحقائق العلمية ولغة العواطف والادب والفنون، اما عن لغة العلوم فهي قسم مشترك بين كافة الامم ولا باس ان نكتب علومنا بلغة عربية او فرنسية لان المضمون سوف لا يشوه كثيرا وستحافظ الفكرة على مضمونها (نحن نقرر هذه الحقيقة جدلا لان المفهوم القومي في كافة ميادينها.

اما لغة الادب، اما التعبير عن عاطفة شعب وانفعال اديب من بيئة معينة فلا يحصل الا باللغة التي عاشها صاحبها، ومجتمعنا هو بدون شك مجتمع عربي اصيل - وان وجدنا الكثير من شبابنا يتحدثون بالفرنسية فهي ظاهرة شاذة مؤقتة سرعان ما تزول عند انتشار الثقافة العربية - ولكن الاغلبية الساحقة في بلادنا تستعمل العربية، والاديب يجب ان ينقل الصورة الاجتماعية بمراها الحي ولاشك ان اللغة هي اهم ركن في هذه الصورة اما اذا عبر عن هذا المنظور "العربي بلغة اجنبية" فسوف يقع التشويه ان قليلا او كثيرا، والاديب نفسه يكون في ازدواجية اي انه يشعر ويعيش تجربة بلغة معينة ثم هو يعبر عنها بلغة لم تكن في الاصل. وعلى اي حال فسوف يبقى هذا الادب المغربي ذي اللفظ الفرنسي على هامش انتاجنا الادبي ولن يحسب في يوم من الايام ادبا مغربيا اصيلا.

رسالة الاديب: واذا خرجنا من دنيا اللغة دخلنا بلا شك الى لب الادب الى محتواه وضمونه، والملاحظ على ادبنا في المغرب العربي انه لم يخرج بعد من الواقعية المحلية ومن القومية الضيقة، وهذه مرحلة لابدج منها غير اننا ننظر الى مستقبل هذا الادب والى ما يجب ان يكون عليه حتى يصبح ادبا مغربيا عربيا حقيقة لا مجازا، واول هذه الشروط ان يخرج من حلقة ضيقة الى اخرى اوسع واشمل وبعبارة اخرى ان يكون ادب القومية الفسيحة، فعلى ادبائنا ان لا يغفلوا انهم يعبرون عن شعب يمتد من المحيط الى الخليج، وان الاحداث الكبرى في الوطن العربي يجب ان نرى لها الصدى فيما يكتبه الكاتب ان شعرا او نثرا.

اننا لازلنا نعتقد ان الاديب في العالم العربي هو لسان قومه وقائدهم ورسولهم، والرائد لا يكذب قومه والرسول هاد ومرشد وامين، ورابطة الادباء والمؤلفين هي رابطة القادة الحقيقيين ولذلك وجب ان نتحدث عن مسؤولياتنا بافاضة وابسهاب وذلك ان اردنا لوطننا المكانة المرموقة بين الشعوب الجديرة بالقباء والقيادة والخلود.

ج. ب. ق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٤٧