تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ............... ص 16

ضخمة كثيرة يسيرها عدد كبير من العمال، وان هؤلاء العمال يشرف عليهم مهندس كبير، وأن هذا المهندس هو الذي قد أوجد هذا النظام بعلمه ودرته، فلا تجري فيه الأعمال إلا تحت إشرافه وحسب مشيئته.

يقول لهم بكل ثقة وحزم، ولكنهم يكذبونه ويفندون دعواه، ويشتمونه، ويرمونه بالجنون واختلال العقل، ويؤذونه، ويخرجونه من وطنه، فيعاني منهم كل هذه الشدائد والآلام في جسده وروحهن ولكن يبقى ثابتا على دعواه ولا يغيرها أو يحرفها أو يخففها خشية لإذاهم أو رجاء في عطفهم، ويظهر صادقا كل الصدق في كل قول من أقواله وعمل من أعماله.

ثم يأتي رجل آخر ويقول للناس ما قد قال لهم الأول ولا يدعي إلا دعواه. ثم يأتي الثالث فالرابع والخامس ولا يقول أحد منهم إلا ما قد قال سابقوه. ثم يأتي الآتون متتابعين حتى يربو عددهم على الآلاف وهم بقولون إلا قولا واحدا لا خلاف فيه البتة على اختلاف أزمانهم وتباعد أماكنهم. يقولون جميعا أن عندنا وسيلة للعمل ليست عند غيرها، فيرمون بالجنون ويناصبون الداء والأذى ويكرهون بكل وسيلة على أن يقلعوا عن دعواهم، ولكنهم يبقون ثابتين عليها، ولا تستطيع قوة من قوى العالم أن تزلزل أقدامهم أو تزيلهم عن مكانهم، ومزيتهم - على هذه الاستقامة والعزيمة - إن ليس أحد منهم كاذبا ولا خائنا ولا فاجرا ولا ظالما ولا آكلا للحرام، وأخلاقهم زكية وسيرتهم اطهر من السحاب في كبد السماء، ولا يوجد فيهم اثر للجنون، بل هم - على العكس من ذلك - يعرضون على الناس تعاليم، ويضعون قوانين لتهذيب أخلاقهم وتزكية نفوسهم وإصلاح شؤونهم الدنيوية، ولا يكاد يدرك كنهها وأسرارها فحول علمائهم وأعقل عقلائهم على بعد نظرهم وطول تجاربهم إلا بشق الأنفس، فضلا عن أن يأتوا بتعاليم وقوانين مثلها.

ففي جانب هؤلاء المكذبون المختلفون في آرائهم، وفي الجانب الآخر هؤلاء المدعون المتفقون في دعواهم. وها هي ذي قضيتهم ترفع إلى محكمة العقل السليم:

من واجب العقل - باعتباره قاضيا في هذه القضية - أن يكون على معرفة تامة من موقفه وموقف كل من الخصمين، ثم يوازن بينهما ويصدر حكمه في أمرهما بكل عدل وإنصاف.

فموقف القاضي أن ليس عنده من وسيلة لمعرفة واقع الأمر، ولا عنده من علم بالحقيقة، وإنما أمامه بيانات الخصمين ودلائلهما وأحوالهما الذاتية، ومع ذلك هو ينظر إلى الآثار والقرائن الظاهرة، فلا يستطيع أن يصدر حكمه في من يغلب أن يكون على الحق منهما إلا معتمدا على هذه الأمور لا غير على أنه لا يستطيع مع ذلك أن يحكم بأثر من كون أحد الخصمين على الحق في غالب الأمر، لأن المواد والوقائع التي تحتويها ورقة الدعوى، صعب عليه على أساسها، أن يحكم بما هو واقع الأمر بالقطيعة. فله أن يرجع رأي احد الخصمين على رأي الأخ، ولكن ليس له البتة، أن يكذب أحدهما ويصدق الآخر باليقين القطعي.

أما موقف المكذبين فهو:

1 - أن نظرياتهم مختلفة متضاربة في تحديد الحقيقة، ولا يثقفون في نكتة من نكاتها، حتى طالما قد وجد الاختلاف في أفراد طائفة منهم بعينها.

2 - وأنهم ليعترفون بأنفسهم بأن ليست عندهم وسيلة للعمل ليست عند غيرهم، ولا تدعى طائفة منهم بأكثر من أنها ارجع من غيرها قي قياسها، كأنهم جميعا يعترفون بكون أقيستهم ولا أكثر.

3 - وأن اعتقادهم بمختلف أقيستهم دون الإيمان واليقين والوثوق غير المتزلزل، وكثيرا ما توجد فيهم لأمثلة على تغييرهم آراءهم ونظرياتهم، وطالما شوهد الواحد منهم قد يدعو غلى نظرية بكل حماسة إلى الأمس، فإذا به اليوم يرفض هذه النظرية، ويقول بنظرية غيرها ويدعو غليها، كان نظرياتهم عرضة للتبدل والتغيير مع رقي الأعمار والعلوم والتجارب.

4 - وأنه لا دليل عندهم لتكذيب المدعين سوى أنهم ما جاؤوا بثبوت قطعي لصدقهم، وأنهم ما اروهم الأسلاك الخافية التي يقولون أنها هي التي تتصل بها الشموس والمروح، ولا اثبتوا لهم وجود الكهرباء بالتجربة والمشاهدة، و لا ذهبوا بهم إلى دائرة الكهرباء، ولا اروهم ما فيها من الآلات، ولا جمعوهم بمن يعمل فيها من العمال، ولا بالمهندس الذي يشرف عليهم، فيقولون: ما لنا إذن أن نصدق هؤلاء المدعين في دعواهم؟.

وأما المدعون، فموفقهم:

1 - أنهم جميعا متفقون على قولهم وعلى كل نكتة من نكات دعواهم.

2 - وأن دعواهم التي يتفقون عليها جميعا، هي أن عندهم وسيلة للعمل ليست عند غيرهم من الناس.

3 - وأنه لم يقل أحد منهم: أني أبين لكم ما أبين بناء على ظني أو رجما بالغيب، بل قد قال جميعهم: إن بيننا وبين المهندس روابط خاصة، وان عماله يأتون إلينا، وانه قد أسرى بنا إلى معمله، فلا نقول شيئا إلا على اليقين والبصيرة والعلم لا على الظن والمجازفة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٥