تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحدة، وهكذا عاشوا عبر التاريخ إلى أن جاء الإسلام فوحد كلمتهم، وجمع شملهم، تحت راية القرآن، فكانوا أمة لها كيانها ووحدتها، تجمعهم رابطة الدين وأخوة الإسلام.

وهناك نقطة ثانية على جانب من الأهمية، وهي أن يقال: لو كان يليان غماريا، وأميرا على بلاد غمارة، لما انتظر بطنجة، وعقبة يطوي هذه البلاد، ويجوبها شرقا وغربا، ويتنقل من جهة إلى جهة، ومن مكان إلى مكان، ويصح الجواب عن هذا بأن عقبة لم يتوغل في بلاد غمارة، وإنما اختار المسير بين هضاب الريف وجبال الأطلس الوسطى - كما أسلفنا - وهي بالطبع من حدود بلاد غمارة، أو من أطرافها النائية، فهو لم يعرج على المراكز المهمة منها في الساحل، ولم يهاجم قبيلة أو مدينة، بل ذهب توا إلى طنجة (العاصمة)، ويجوز أن يكون يليان أراد أن لا يحارب عقبة، ولا يعترض سبيله، وقد دلته التجربة التي مر بها ارماء الزاب وتاهرت، على أن سياسة العنف أو القوة، لم تكن صالحة ومجدية في تلك الظروف، وفعلا فقد اختار يليان هذه السياسة، ونجح فيها أيما نجاح، ويرى بعض الباحثين: (أن تصرفات عقبة مع يليان تبدو غريبة في نوعها وأن قول ابن الأثير: إن يليان نزل على حكم عقبة غير مفهوم على وجه صحيح- لأنه لم يحدث في غير هذه المناسبة أمر كهذا: جيوش إسلامية غازية، تقبل على بلاد لتفتحها، فيقدم ملك هذه البلاد بالهدايا الحسنة، والنصيحة الطيبة، فينصرف عنه المسلمون، لا إسلام ولا جزيرة ولا قتال (9). وقد لا يبدو غريبا، إذا ما اخترنا له من التفسيرات ما يتفق وأحداث التاريخ ولا يتنافى وروح الإسلام ذلك أن عقبة لم ينصرف عن يليان إلا بعد أن قدم له الطاعة، وأذعن للجزية، وكفى، والجيوش الإسلامية لم تكن غازية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، فهي أولا وقبل كل شيء، جاءت أتبشر بالدين الجدين وتنشر الولاية الإسلام والوئام بين أبناء البشر، ولم تأت لتبث الرعب في قلوب الناس، وتستعمر بلادهم وتبتز أموالهم كما كان شأن الغزاة قبل الفتح الإسلامي، أما قول ابن الأثير: أن يليان نزل على حكم عقبة فمعناه أنه أذعن لأداء الجزية، وهو ما حكم الله به من إسلام أو جزية أو قتال، وقد اختار يليان من يبن الثلاثة- الجزية، لأنه كان يراها أصلح لنفسه، ولبلاده في تلك الظروف، ويفسر هذا صنيع يليان مع موسى بن نصير كما جاءت الرواية بذلك مفصلة (10).

ولنودع يليان وهو في عاصمة ملكه طنجة، حتى نلتقي به مرة أخرى في عاصمة غير هذه، ولنصحب عقبة وهو في طريقه إلى سوسن مارا بوليلي (قصر فرعون) ثم بدرعة، ثم بلاد سوس، حيث احتدم القتال بينه وبين رجال البربر، واسلم على يديه كثير من الناس، وترك بتلك الجهات بعض أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام (11)، ومن هناك عطف على ساحل المحيط (أسفي) حتى ادخل قوائم فرسه في البحر، ووقف ساعة رهيبة، قال كلمته الخالدة: (يا رب: لولا هذا البحر، لمضيت في سبيلك على ملك ذي القرنين، مدافعا عن دينك، ومقاتلا من كفر بك، وعبد غيرك).

- يتبع -

(9) حسين مؤنس، فتح العرب للمغرب: 193.

(10) الناصرين الاسعىتقصاء ج 1: 96.

(11) ابن عذاري، البيان المغرب ج 1: 28.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٢٧