تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟) ثم يقول الشيطان لأبي حامد (هذه حالة عارضة إياك أن تطاولها فإنها سريعة الزوال فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنقيص والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، وربما التفت إليك نفسك ولا تتيسر لك المعاودة).

وبلغت هذه الحال المضطربة ذروتها وأصبحت أزمة نفسية حادة اعتقل أثنائها لسان الإمام عن التدريس مما أورثه حزنا تسرب إلى باقي الأعضاء فامتنع من الطعام والشراب ويئس من علاجه الأطباء.

فلما عجز الغزالي نهائيا لم يبق له إلا الالتجاء إلى الله تعالى، فأجابه (الذي يجيب المضطر إذا دعاه) فسهل عليه الأعراض عن الجاه والمال.

وأشاع الغزالي أنه ينوي السفر على مكة، وهو يضمر السفر على الشام لئلا يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على الأمر، وقد استهدف الغزالي من جراء ذلك لحملة أئمة العراق الذين لم يصدقوا أن رحيله كان لسبب ديني، غير طلب جاه دنيوي أكبر.

أخذ أبو حامد ما يكفي له ولأطفاله من مال العراق الذي هو وقف على المسلمين، ثم دخل الشام فأقام فيها سنتين معتزلا الناس، خاليا إلى نفسه بالرياضة والمجاهدة، لتزكية النفس وتصفية القلب لذكر الله كما تنص على ذلك تعاليم الصوفية.

وكان يغلق على نفسه طيلة النهار في صومعة مسجد دمشق، ثم سافر إلى القدس وكان يدخل الصخرة ويغلقها على نسفه كل يوم ... ثم تحرك فيه دافع نحو حج البيت الحرام وزيارة الرسول (ص)، فسار إلى الحجاز .. ثم ..

ثم جذبته الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن .. فرجع إليه بعد أن كان أبعد الخلق عن ذلك لقد كانت حوادث الزمان وضرورات المعاش تغير فيه وجه المراد وتشوش صفوة الخلوة، فلم يكن يستطيع معاودة الخلو والتفكير إلا في أوقات متفرقة، وقد دامت عزلته عشر سنين.

ويقول أبو حامد أنه قد انكشف له أثناء ذلك ما لا يمكن إحصاؤه من الأمور، وما يستطيع أن يذكره، هو أنه علم يقينا أن الصوفية هو السالكون لطريق الله تعالى، خاص وأن سيرتهم أحسن السير وأخلاقهم أزكى الأخلاق، فلا واحدة من الفرق السالفة الذكر تضاهيهم فيما هم عليه من صواب وخير، لأن حركاتهم وسكناتهم قبس من مشكاة النبوة.

ويفصل أبو حامد طويلا في ذكر محاسن الصوفية، وما يصلون إليه من مشاهدتهم الملائكة وأرواح الأنبياء وما يقتبسونه من ذلك من الفوائد مما لا يستطيع المرء التعبير عنه بالألفاظ دون أن يقع في خطأ صريح.

على أن الغزالي لا يفوته أن ينتقد التفسيرات التي أتى بها بعض المتصوفة لما يحصل لهم كالحلول والاتحاد، والوصول، ويوصينا بالتمثل في هذا الشأن بالبيت القائل:

وكان ما كان مما لست أذكره

فظن خيرا ولا تسال عن الخبر

ويرى الغزالي أيضا انه لابد من أن يستفيد المرء من مجالسة أهل التصوف حسب استعداده وأن من لم يصحبهم يستطيع أن يعلم إمكان ما يصلون إليه بشواهد البرهان.

ثم يحمل على المنكوبين الذين يسمون أقوال الصوفية هذيانا، مستشهدا بالآية الكريمة (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا اهاوءهم).

أما كيف رجع الغزالي على التدريس، وفارق عزلته، فلأنه يقدم لتبرير ذلك بمقدمة وعظية يشرح فيها ما استفاده في خلوته:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤١٢