وبعد، فما هو مبلغ تأثير العاملين الباقيين؟ الضمير، والضغط الاجتماعي في إيقاف هذا التيار العنيف الذي يكاد يجرف ما تبقى في نفسياتنا من تراث الفضيلة؟
إننا نرى أن مظاهر الانحلال تزداد وتتضخم مع الأيام، ففي كل يوم ينصدع ركن وينخرق سد حصين، والناس تنظر إلى هذا التصدع وذلك الخرق بعين المتفرج الذي لا تكاد تتفجر غيرته إن كانت له غيرة- إلا عن حولقة صامتة. وأشد من هذا وانكى أن الفواحش التي تزري بالكرامة تقترف على قارعة الطريق بمرأى ومسمع من الجميع، ومعنى هذا أن الرادع الاجتماعي يكاد يكون مفقودا عندنا، اللهم الا في أوساط محدودة ما زال بعض إفرادها- يخشون قوارص نقد المجتمع الذي يعيشون فيه. وقد نجد شبانا وكهولا لهم حاسة اجتماعية بحيث يتحرون أن يلمزوا في وضعيتهم الاجتماعية ويتلافون كل ما عساه أن يمس بكرامتهم في المجتمع. ولكننا نرى أن أساس تلك الحاسة هو الشعور الاجتماعي المتركز على وجود رأي عام يوجه وينقد، ويبنى وينقض، ويرفع ويضع، ويتقوض تدريجيا نظرا للمواقف السالفة التي يقفها الرأي العام ازاء المنكرات المتفشية. وكان أزمة نفسية اناخت بكلكلها الثقيل على روح هذا المجتمع فأخمدت فيه كل غيرة واباء.
ذلك هو تأثير الضغط الاجتماعي في وسطنا- كما رأينا- من الهلهلة والهزال بحيث يتعذر الاخلاد إليه كزاجر فعال عن ارتكاب الموبقات.
.. بقي هنالك عامل ثالث وهو عامل الضمير أو الوازع الخلقي الذي من مقوماته البارزة الشعور باطنا بالكرامة والعمل ظاهرا بالاستقامة. فلننظر الى اي حد من القوة او الضعف بلغ ذلك الشعور في وسطنا؟ لعل هنالك مثلا بسيطا قد يكون فاصلا في حل هذا الاستفهام. فنحن نرى كثيرا من أدعياء الاستقامة ودعاتها يقضون نهارهم في البكاء على اطلال الفضيلة ورسومها ثم لا يكاد يجن الليل وترتخي سدوله الكثيفة حتى ينقلبوا الى شخصية جديدة فينهشون الأعراض، ويهتكون الحرمات، وينقاذون لغرائزهم، ثم يعودون في الصباح الى مصانعهم المزرية وملقهم الساخر لذلك الشعور الحي الذي ما زال- من حسن حظنا- بصيص منه يتلجلج في النفوس.
على أن هناك ظاهرة أدهى من هذا وأنكى، وهي تباين المقاييس والاعتبارات. وذلك مظهر مفجع لما وصلت إليه فوضى الأخلاق في وسطنا. فهناك أعمال أو خصال ترى طائفة أنها تزري بالكرامة، بينما تعتبرها طائفة اخرى مظهرا من مظاهر التحرر والمدنية، فما هي الوجهة التي تغلب آخر الأمر وتطبع بطابعها الجديد معايير الأخلاق؟ هل هي الميع والاباحية والمرح نظرا لكون المتطرفين أنفسهم ينساقون في نهاية الأمر ضمن تيار تستأنس النفوس بمتعه المغربية. والفلاسفة يقولون عن حق - بأنه بقدر ما يفري التعود الجوارح بقدر ما يفل من حدة المشاعر - ولعل من أطرف ما يحكونه في هذا الباب قضية ذلك الصوفي الذي انتجع الحاضرة فصار «يبول الدم» لما هاله من الفواحش والمنكرات ولكن لم تكد تمر أيام معدودة حتى عاد البول الى طبيعته، وأستأنس صاحبنا بما يجرب حوله، ولم يعد يراه بتلك العين التي كان يراه بها من قبل! ان جوهر الفضيلة لا يتغير، والتطور الحق معناه الرجعة الى الفضيلة في نصاعتها الفطرية.
ذلك هو الداء، فما هو الدواء؟ إن لتهذيب النشىء على الفضيلة منذ الحداثة أثرا فعالا في طبع الفطرة بالمثل العليا، ومن مقومات هذا التهذيب إعطاء المثل الكامل للطفل في جميع أطوار حياته، سواء في المنزل أم المدرسة وذلك يتطلب من الابوين أو لاثم من الأستاذ ثانيا أمثلية لايعتورها نقص ولا ميع ولا تمويه، وينبغي كذلك تقويم الجماهير وغرس الفضيلة في نفوسها بواسطة الدروس في المساجد والمعاهد، وعرض أفلام سامية المغزى وروايات اجتماعية تصور الفضيلة في انصع مظاهرها، وتبرز سوء مغبة الرذائل وأهلها. والصحاف والإذاعة يجب أن تسهما في هذا الباب، وكذلك الخطب الجمعية التي يجب أن تتطور ويتطور أصحابها.
ولعل تلك الوسائل ستتمخض - إذا هي تضافرت- عن إيجاد رأي عام يكون هو المقياس القار والعامل الحاسم في تكوين جو خلقي ممتاز وخلق تلك (المدينة الفاضلة) التي حام بها الفلاسفة وما زالوا يحلمون.