تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما موضوع الشورى ومجالها فعمل أولي الأمر في أمور العقيدة والعبادة والأحكام المتواترة في الإسلام هو الأمر بالقيام بها وتطبيقها وتنفيذها فقط.

ولكن مجالهم في الاجتهاد للنوازل غير المنصوصة، ويتسع مجال عملهم في مصالح الأمة الاجتماعية ورفع مستوى الأمة في الشؤون الدنيوية حتى تعيش سعيدة وتتبوأ مكانة العزة بين الأمم التي جعلها الله للمؤمنين.

بشرط أن يكون عمل أولي الأمر مماشيا لعدالة الإسلام روحا ومعنى، وقد تكلم الإمام محمد عبده في جماعة أولي الأمر فقال: أنه فكر في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى به الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين وهم الأمراء والحكام والعلماء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا من وأن لا يخافوا أمر الله ولا سنة رسوله التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لا ولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه، وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أهل الحل والعقد، بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط، ليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه. انتهى كلامه.

وهذا المعنى الذي ذكره الشيخ محمد عبده سبق إليه سعد الدين التفتاراتي حيث قال في شرح المقاصد وتنعقد الإمامة بطرق احدها بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس. وإنما زادها الشيخ عبده توضيحا وشرح مجالها.

ومن هنا تنتقل إلى الحكومة الإسلامية الدستورية فان المسلمين يعتقدون أن نصب امام للمسلمين واجب ديني توحيدا للسلطة المنفذة في شخص واحد مستجمع لشروط الكمال حتى ترتفع مكانته في قلوب رعيته أما بقية الولاة فإنما هم نوابه ولذلك كانت تعميم الولايات وتعيين اختصاصات أي نوع منه منوطة به.

قال الشيخ رشيد رضي رحمه الله أن الآية السابقة مبينة: أصول الدين وشريعته والحكومة الإسلامية وهي: الأصل الأول: القرءان الحكيم والعمل به هو طاعة الله تعالى- الأصل الثاني سنة رسوله (ص) والعمل بها هو طاعة الرسول، الأصل الثالث، إجماع أولي الأمر، فبينهم، ثم قال: الأصل الرابع، عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد والأحكام العامة المعلومة في الكتاب والسنة، وذلك قوله تعالى: «فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»، فهذه الأصول هي مصادر الشريعة ولا بد من جماعة يقومون بعرض المسائل المتنازع فيها على الكتاب والسنة.

ثم قال رحمه الله ويجب على الحكام الحكم بما يقره أولو الأمر وتنفيذه، وبذلك تكون الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين أو ثلاث.

الأولى جماعة المبينين للأحكام الذين يعبر عنهم أهل هذا العصر بالهيئة التشريعية.

والثانية جماعة الحاكمين والمنفذين في التنازع ويجوز أن تكون طائفة من الجماعة الأولى.

على أني قد وقفت على ملاحظات على القانون النظامي للزعيم سعد زغلول رحمه الله جاء فيها فيما يخص الشورى قوله: ومعلوم أن الشرع (أي الإسلامي) لم يجيء ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام ولا طريقة معروفة للشورى عليهم، كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المرام، فالشورى واجب شرعي، وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين فتختار الطريق المعين باق على الأصل من الإباحة والجواز، كما هو القاعدة في كل ما لم يرد ينص بنفيه أو إثباته. انتهى.

وأننا بصفتنا أمة عريقة في الإسلام نرجو الله من كل قلوبنا أن يوفق واضعي الدستور لتحقيق رغبة صاحب الجلالة الملك الراحل محمد الخامس اسكنه الله فسيح جناته بوضعه على الأسس الإسلامية الصحيحة ليقوي روابط هذه الأمة ويحمي وحدتها ويمنعها من الانحلال والأهواء المضرة وكل الأفكار الهدامة، والله ولي التوفيق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٠٨