تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 .................... ص30

الفتوى دائرة مع مقتضى الحال

للأستاذ: محمد بن أحمد بن عبد الله

كثير منا لناس يعتقدون أن الخروج عن المذاهب الأربعة إلى غيرها من المذاهب الفقهية في بعض المسائل يعد خروجا عن الشريعة، كأن الشريعة هي ما قاله هؤلاء الأئمة الأربعة وحدهم دون ما قاله غيرهم من أئمة الفقه رضي الله عن جميعهم.

ويقال لهؤلاء الناس: أن الشريعة- ويقال لها الدين والملة- هي ما شرعه الله تعالى لعباده سواء كان ذلك بالقرآن أم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

فهي بهذا المعنى تشمل أصول الدين مما يتعلق بالله تعالى وصفاته والدار الآخرة وغير ذلك من

مسائل العقائد، وتشمل أيضا ما يرجع إلى تهذيب النفوس وما يتعين أن تكون عليه العلاقات الاجتماعية كما تشمل كل عمل من أعمالنا من وجوب وحرمة وكراهة وندب وإباحة، وهذا الأخير هو ما نسميه الفقه فهم جزء من الشريعة وجد أصله مع وجود رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الأئمة الأربعة، فالقرآن نزل على النبي صلى عليه وسلم وفيه الشيء الكثير من آيات أحكام الفقه، والسنة صدرت منه صلى عليه وسلم وفيها آلاف الأحاديث في أحكتم الفقه، والأئمة قد استمدوا فقه مذاهبهم من القرآن والسنة والإجماع والقياس على النص وغير ذلك من القواعد الشريعة وكلياتها، وغير خلف أن الفقيه كثيرا ما يختلف رأيه واجتهاده في المسألة الواحدة ويقول فيها اليوم ما لم يقله بالأمس كما نشاهد ذلك في كتب الفقه؛ فهذه كتب الشافعية طافحة بقولهم في مسألة واحدة، ومذهب الشافعي القديم فيها كذا ومذهبه الجديد فيهل كذا.

وهذه كتب المالكية يروي فيها ابن القاسم عن مالك قولا، ويروي فيها أشهب وغيره قولا آخر يخالفه، وهكذا بقية المذاهب، ولتبدل آرائهم في المسألة الواحدة عند تجديد النظر فيها مرة ثانية واطلاعهم على أداة أخرى لم يكونوا اطلعوا عليها من قبل كانوا رضي الله عنهم ينهون عن تقليدهم خصوصا إذا صح من السنة ما يخالف رأيهم.

ويعترفون بأنهم بشر يخطئون ويصيبون.

وهذا مالك أمام دار الهجرة رضي الله عنه لما أراد المنصور العباسي ثم هارون الرشيد من بعده أن يحمل الناس على «موطئه» امتنع وقال: أن الناس سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل بما سبق إليه، وكل مجتهد مصيب.

وقد قال الإمام القرافي في شرح تنقيحه: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقل من يشاء من العلماء بغير حجر. وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بطر وعمر رضي الله عنهما أو قلدهما فاه أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ويعمل بقولهما من غبر نكير فمن ادعى رفع هذين الاجماعين فعليه الدليل.

وقد نص العلماء على مراعاة الشخص المستفتي والحال والزمان، وعلى أنه يوجد في فتاوي المتقدمين أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة من كل زمان.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٠٧