دافع عن حوزة الوطن
أوصيك بالمغرب بلدك الكريم، ووطنك العظيم، مستقر الجد والوالد، ومستودع الطارق والتالد، خميلتك التي ارتاضت بنسائمها رئتاك، وتملت من محاسنها مقلتاك، وتغنت بألحانها شفتاك، فحافظ على استقلاله، ودافع عن وحدته الجغرافية والتاريخية، ولا تتساهل في شيء من حريته، ولا تتنازل عن قلامة ظفر من تربته. وإياك أن تقبل المساومة على أمنه وسلامة سكانه. وإذا داهمته الأخطار، أو تهددته الأعداء. فكن أول المدافعين، وسر في طليعة المناضلين، كما أريتني يوم تعرضت معي للبلاء، فبدوت بطلا كامل الرجولة، شهما تام المروءة، واخترت معي من أجل هذه البلاد شظف حياة الشرف على رغد عيشة الاستخذاء، وارجع بين الفينة والأخرى إلى التاريخ يحدثك عن همم أجدادك، وعزائم أسلافك، وكيف أخلصوا النية لله في هذا الوطن وحياطته من الأهوال والأخطار، فجندوا الجنود، وأعدوا العدد لاسترجاع مراسيه وتحصين ثغوره، ودرء الطامعين وصد المغيرين، فكن يا ولدي خير خلف لخير سلف، وليكن عملك لوطنك ومحافظتك على استقلاله ووحدته أمرا يقتضيه منك شرف السمؤولية وتفرضه عليك تقاليد الأسرة في آن واحد.
كن من الشعب وإلى الشعب
وكن يا بني ديمقراطي الطبع شعبي الميول والنزعات فأنت تعرف أن أسلافك الأكرمين ما وصلوا إلى الملك قهرا، ولا اقتعدوا العرش قسرا، وإنما كان تقدمهم إلى السلطان ضرورة دعت إليها مصلحة الوطن العليا آوى منهم الشعب إلى ركن ركين، ولاذ بحصن حصين، واجتمعت عليهم كلمته بعد ما وزعتها الأهواء. وشتتها الفتن، فخمدوا الذمار، ونفوا العار، واجتهدوا في رتق الفتوق، ورأب الصدوع، وحماية البلاد من المطامع، ووقايتها مما يتهددها من أخطار، متعاونين مع أمتهم، مقتسمين وإياها الحلو والمر، والسراء والضراء، فاحرص يا ولدي على تتميم رسالة أسلافك، والمحافظة على الأمانة التي من أجلها دعوا إلى الملك، وتبوأوا أريكة السلطان، وكن من الشعب وإلى الشعب، يسعك ما يسعه، ويضيق عنك ما يضيق عنه، ولا تبخل عليه براحة، ولا تضن عليه بمجهود. وآتره على قرابتك الوشيجة، وبطانتك المقربة، فإنه أسرتك الكبرى، وعشيرتك العظمى. وتذكر جدك الحسن الأول كان عرشه على ظهر فرسه، لكثرة تنقله في البلاد، ومشيه في مناكبها، متفقدا للرعية، سامعا للشكاة، مستأصلا لجراثيم البغي والفساد.
زلة الملوك لا تقال
فكن للناس بمثابة الأب الرؤوف، والأم الرؤوم، ترحم الكبير، وتحنو على الصغير، وتقضي الحاجات، وتعين على النائبات، وتدخل الفرح بالرعاية والعناية على القلوب.
واعلم يا بني أن الحكم خطة يبتلي بها الله من يشاء من عباده، فواحد قدرها ورعى بها الحقوق وصان الحرمات، فرجحت بها كفته، وكان من المفلحين، وآخر بطر بها وأشر، وطغى واستكبر، فخف بها ميزانه، وكان من الأخسرين أعمالا، الذين فشل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكن من الذين رجحت كفتهم، ولا تكن من الذين خفت موازينهم، ولن يتأتى لك ذلك إلى إذا أخذت من أمرك بالحزم، واستعننت على الرأي بالعزم، وعملت عمل اليوم في يومه ولم تؤخره إلى غد، وعظم من عظم في عينك بالحق، وصغر من صغر بالباطل، وبدأت بالأوكد قبل الأكيد، وقدمت الأوجب على الواجب، فإنه لا تقبل النوافل حتى تؤدى الفرائض، وبدأت بنفسك قبل أن تتجه بالنصح إلى غيرك، وكنت مخلصا في سرك وعلانيتك، عادلا في رضاك وغضبك مقتصدا في يسرك وعسرك، مسويا بين الرعية في الحقوق والواجبات، فإنك منهم بمنزلة الأب وهم بمنزلة الأبناء. واحذر من المزالق قبل وضع القدم، فإن زلة الملوك لا تقال.