وراء هذا الاتصال الحي من مسائل لولاه لبقيت تدور في عالم الاشتباك والالتباس وقد اكتنف جوانبها الغموض، إذا لا ضير يلحق هذا العصر إذا ما خلا من خزائن تضم ما يمكن أن يكون هيء من دفاتر علمية. على أننا قد نجتزئ مكتفين برجالات كانوا أوعية للعلم، خزائن حية تدب على أرجلها منشدين في نفس الوقت قول المعتز بذاكرته وقوة فطنته اللاقطة:
ليس بعلم ما حوى القمطر ما العلم إلا ما حواه الصدر
وجاء في ص 10 أثناء الحديث عن الخزانة أيام الموحدين -وامتلأت الخزانة بالمدونة وشروحها وكتاب النوادر والزيادات والمختصر إلخ، لا أدري ماذا يعني الأخ بالمختصر أهو مختصر عثمان بن الحاجب المسمى بمنتهى السول والأمل، وهو المتبادر، أو مختصر أبي الضياء خليل الفقهاء، والأستاذ على بينة من أن هذا لم يخلق إلى أواسط القرن الثامن الهجري الذي هو عصر الدولة المرينية الأخير. فكان بيان نوع المختصر مما يتأكد توضيحه إذ ليس في استطاعة كل قارئ أن يدرك تاريخ المختصرين ومصنفيها، على أن هناك مختصرات شتى في مختلف العلوم والفنون.
ووقع ص 26 - أثناء الكلام عن الحركة العلمية والثقافية أيام أبي عنان- والأندية التي كانت تعقد في تلك المجالس المشرقة حيث تعرض لذلك أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر في شرحه على بردة البوصيري، ونقل بعض ذلك مختصره أبو زيد عبد الرحمن الجادري عند قول المديح:
لعل رحمة ربي حين يقسمها
تأتي على حسب العصيان في القسم
الذي عرفته عن تلك الحركة العلمية الدالة على ذهبية العصر المريني وعن المذاكرة التي كان محورها نفس بيت البوصيري أنها وقعت بين أيدي أبي سعيد المريني جد أبي عنان فارس بن أبي الحسن، وجرت المذاكرة في المجلس السلطاني بحضور علية القوم من أبناء المعرفة حول البيت حيث ألقى السلطان أبو سعيد سؤالا على الحاضرين مضمنه: كيف يصح أن تقسم الرحمة على العاصين وحدهم؟ وماذا سيكون حظ المطيعين منها وقد وزعت على المجرمين؟ فوجم الكل ولم يحيروا جوابا، إلا ما كان من أبي الوليد بن الأحمر، وكان أصغر القوم، فتجرد للجواب متسلحا بسلاح الشجاعة الأدبية التي يتوفر عليه الشباب، والشباب في كل عصر رمز القوة والبطولة قائلا: إن طاعة المطيع وأعماله البرية لتعد وحدها رحمة بل عين الرحمة، على أن قول الله تعالى في سورة الأعراف: (ورحمتي وسعت كل شيء) تتناول العاصين والمطيعين بأوسع ما تحمله الرحمة. والقضية تعرض لها الأديب أبو القاسم بن رضوان في كتابه السياسي المشتمل على أربعين بابا -كما أخبرني بذلك المؤرخ المرحوم محمد بن علي السلوي صاحب أدواح البستان، والأتحاف والوجيز وغيرهما من التقاييد القيمة. والنقل الذي ساقه الأخ عن مختصر الجادري لشرح أبي الوليد على البردة لا يمنع من تعدد القضية وتواطئها على نفس الموضوع الواحد، إنما كان بالود لم يتمم الأخ الحكاية ويسطر نتيجة ما دار في المجلس حول البيت من بحوث لتتبين القضية أكثر ويتجلى التوافق (لو كان) بأجلى مظهر كتبرع منه وإن نبا عن موضوع الخزانة، والأمل وطيد أن تجود المعلمة المغربية وموسوعاتها الغنية بثرواتها المفرقة في المكتبات هنا وهناك بكتاب أبي القاسم السياسي الذي كان أحد الحضور ليقع التقابل بين البحث الذي تناوله كل من الرجلين اللذين شاركا في الندوة.
وما دام القلم يتحدث عن الخزانة المرينية فلا بأس أن أسجل في هذا الهامش ما وجدته في أوراقي العلمية نقلا عن بعض المؤرخين الثقات: فعندما احتل البرتغال مدينة سبتة سنة 818هـ (1416م) أيام أبي سعيد المريني المعروف بالصغير -وجدبها ست عشرة خزانة علمية عمومية محتوية على المعدات والمرافق الضرورية لحفظها وعموميتها التي تتطلب في المقدمة القيمين، فوجود هذا القدر من الخزائن العمومية بإحدى مدن المغرب هو وحده برهان ساطع على ما كان للمعرفة والثقافة من كبير العناية في الوسط المغربي. وليس هذا بالغريب أن توجد هذه الثروة الثقافية بمدينة سبتة المغربية وقد ضمت من رجالات الثقافة وشتى الميادين العلمية والفنية طوال عهودها المشرقة ما كان نتيجة لجهود وجهود بذر أصولها علماء أفذاذ أمثال ابن مرانة الفرضي السبتي وابن غازي الخطيب، وابن عطاء الكاتب، والقاضي عياض الذي أفردها بكتاب خاص «العيون الستة» وابن رشيد صاحب الرحلة «ملء العيبة» وغيرهم كثير. وختاما أهنئ الأخ على تحريره القيم بعد إلحاحي عليه في إعادة طبعه مرة أخرى رفعا لما وقع فيه من تشويه مطبعي قد يغلط الكثير ويعرقل نشاط المطالع المستفيد.