ومع أن مدينة مراكش تبعد عن أقرب نقطة تواجهها من جبال الأطلس أربعين كيلو مترا في خط مستقيم، أو أكثر قليلا، فإنها توصف بأنها قائمة في سفح جبال الأطلس. ونحن الذين تعودنا، في لبنان، رؤية الجمال نماذج مصغرة: نرى البحر المنبسط والبر الأفيح والرمل المترامي الأطراف والجبل الشاهق والغابة الكثيفة والأرض القفر والحديقة الغناء، جنبا إلى جنب، في رقعة لا تزيد مساحتها على عشرة كيلومترات في مثلها، نستغرب أن يقال في مدينة أنها في سفح تبعد عنه أربعين كيلومترا أو تزيد، أي ثلثي المسافة، في خط مستقيم أيضا، بين عاصمة الجمهورية اللبنانية وعاصمة الجمهورية السورية بالأمس. على أن دهشتك واستغرابك سيتلاشيان إذا صعدت مئذنة جامع الكتبية.
يرجع بناء هذا الجامع، كما يرجع بناء مدينة مراكش، إلى أيام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين. ولكن الهياكل العظيمة لا يستقل ببنائها الفرد ولا الأسرة، بل هي من عمل الأسر المتعاقبة في الملك الواحد. ولقد تم تزيين مدينة مراكش، كما تم بناء جامعها ومئذنته في أيام الموحدين الذين خلفوا المرابطين، في أيام أبي يوسف يعقوب المنصور أعظم ملوك الموحدين وأحد عظماء ملوك المسلمين.
ليس لمئذنة الكتبية - والمئذنة تسمى في المغرب منارة وصومعة أيضا - درج يرقى بها، ولكن لها سطوحا مائلة على شكل شبه حلزوني لأن المئذنة مربعة وليست مستديرة.
ويبدو أن السير على سطح مائل ميلا معتدلا أهون من التصعيد في سلم طويل. وضلع منارة الكتبية اثنتا عشر مترا ونصف، وأما ارتفاعها فسبعة وستون مترا ونصف، فإذا وصلت إلى سطحها الأعلى انبسطت مدينة مراكش تحتك على مثل الكف، ولا غرو فهذه المدينة قائمة في صحراء. وبعد أن تجتاز ببصرك البيوت والجنائن والنخيل ومن كل جانب تبصر الرمال تحيط بتلك الجنة الفيحاء. ثم تدور ببصرك إلى الجهة الجنوبية الشرقية فترى الطرف الغربي من الأطلس الكبير يقوم سدا مرصوصا في الأفق القصي.
وبعد أن تستجلي هذا المنظر الواسع الرائع لمدينة مراكش، كما يراها الطائر من حالق يحسن أن تتقرى عددا من معالم هنالك دارسي سعيد (السيد سعيد) وقصر الباهية وإنقاض قصر البديع وقبور الأشراف السعديين. ولكن قد يتفق للزائر أحيانا ما يتفق للساكن. قد يقضي الساكن عمره كله ثم لا يرى كثيرا من معالم البلد الذي يسكنه وهو يمر بها صباح مساءا، أو تكون منه على مسافة سيرة: في غير الحي الذي يسكنه أو في غير الشارع الذي يرتاده فإذا كانت هذه حال الساكن في البلد أحيانا ثم عذرناه إذا حالت العوائق المختلفة بينه وبين مشاهدة الآثار في مسقط رأسه، فالزائر الطارئ أحق بالعذر إذا لم يستطع أن يرى كل ما في ذلك البلد في يومين أو ثلاثة أيام.
مررنا بقصر الباهية وبإنهاض قصر مرور الكرام، وقصدنا إلى قبور الأشراف السعديين فوجدناها في ذلك الحين مغلقة في وجه الزائرين. ولكن إذا كان قد ضاع على شيء من زيارة عدد من المشاهد الجليلة في مدينة مراكش، فلا يجوز أن تضيع علي زيارة قبر يوسف بن تاشفين بحال: قبر ذلك الرجل الذي بنى مدينة مراكش وأقام الأسس الأولى لعظمة المغرب. أن الوقوف على الخطوط المتناسقة والنقوش المفوفة يأخذ بالبصر ويملأ النفس روعة وجمالا، ولكنه كثيرا ما يوحي بإجلال أكبر من ذلك الذي يستحقه أولئك الذين خلفوا لنا هذه الخطوط والنقوش. لما كنت في باريس، قبل خمسة وعشرين عاما، زرت قصر الإنفاليد لاقف بضع دقائق على قبر نابليون بونابرت. ألم يحاول بونابرت هذأن يغزو وطني ثم يرتد خائبا؟ ألم يحاول، فيما بعد وبعد أن تتوج امبراطورا باسم نابليون الأول، أن يبدل خارطة أوروبة ألم يكن نابليون مصلحا على الرغم من كل مساوئه الشخصية واعتداءاته على الشعوب؟ فيحسن أن أقف إذن لحظات على قبره التفاتا إلى تلك الذكرى التاريخية وحدها بخيرها وشرها. لقد راعني مدخل الإنفاليد، وراعني السلم الذي يصل بالخطى إلى قبر ذلك الإمبراطور الذي ملأ الدنيا على معاصريه ظلما وحربا ثم زينها بشيء من العظمة الزائلة وبشيء من القوانين الباقية. ولقد راعتني أيضا القبة التي تعلو القبر والرخام الذي صنع به القبر. ولا ريب في أن الذي بنى ذلك القبر قد خطر له كل ذلك، كما خطر له أيضا ما يمكن أن يشعر به