صاحب الجلالة مديريتها للأستاذ السيد محمد الفاسي فأزاح عن طريقها الأشواك وخطا بها خطوات موفقة إلى الأمام.
وقبيل استقلال المغرب كان مديرها وعدد من علمائها وطلبتها رهن المعتقلات والسجون والمنافي لمطالبتهم بعودة الملك الشرعي إلى عرشه فاعتراها بسبب ذلك ضعف شديد وانحلال متزايد.
ولما بزغ فجر الاستقلال (2 مارس سنة 1956) وأصبح التعليم الإسلامي العالي من مشمولات وزارة التربية الوطنية أنشأ السيد محمد الفاسي الوزير السابق قسما في الوزارة للعناية بهذا النوع من التعليم العريق في بلادنا لأن السنوات العشر التي قضاها على رأسه جعلته خبيرا بمشاكله ومطالبه ومنذ ذلك الحين أصبح المسؤولون عنه في القسم المختص، أمام عدة مشاكل شاملة لشؤون التجهيز والتأثيث والتسيير والتوظيف وأماكن الدراسة وسكنى الطلبة وإعاناتهم ومنحهم والبرامج والكتب المقررة والفنون المدروسة وغير ذلك من المشاكل المادية والمعنوية التي شغلت بال أولئك المسئولين فذللوا الكثير منها بمعونة الوزارة في أمد قريب سواء في ذلك ما يتعلق بالقرويين أو غيرها من باقي المعاهد الأصلية.
فإذا علمنا أن القرويين أهملت من لدن الاستعمار طوال مكثه في بلادنا وعلمنا أن طلبة القرويين كانوا يتزايدون في عهد الاستقلال بنسبة مهمة علمنا مدى ما يتطلبه الأمر من اهتمام وتيقظ وتبصر ومواصلة عمل حتى يتحقق للقرويين وغيرها جميع ما حرمت منه في العهد البائد.
ولإطلاع حضراتكم على ما تم في القرويين في عهد الاستقلال أسجل أن عدد تلاميذها وطلبتها ارتفع من سبعمائة إلى أكثر من ستة آلاف. بينما ارتفع رجال التعليم فيها من نحو 50 إلى 213.
وأماكن سكنى الطلبة حولت في معظمها إلى مآوي صحية خصوصية في حي الشراردة. وأصبحت لهم منح منتظمة من وزارة التربية الوطنية بدل الإعانة القديمة التي كانت خبزة قفارا من الأحباس بالنسبة للآفاقيين فقط ولا شيء لغيرهم من الحضريين ولهم اليوم داخلية مستوفية الشروط تضم ثمانيمائة تلميذ إلى فصول دراسية منظمة بدل حلقات الدروس داخل المسجد، ومستوصفين في كل من معهدي الزربطانة والشراردة، وملاعب للرياضة، وقاعة للمحاضرات، وخزانة للكتب الدراسية وغيرها.
أما البرامج الدراسية فقد أدخلت عليها تحسينات عملا بمبدأ الوحدة الذي قررته اللجنة الملكية منذ سنة 1957 على أساس تدريس جميع المواد العربية ودراسة لغة أجنبية كمادة ثقافية. فكان في ذلك فرصة للقرويين استطاعت بسببها أحياء مواد رياضية يعبر عنها اليوم بالمواد الحديثة وقد كانت تدرس في القرويين منذ القرن الرابع للهجرة. وبذلك صارت الدروس التي تلقى فيها حاليا تتوفر على جميع المواد الشرعية واللغوية والتاريخ والجغرافية والفلك والمنطق وتشتمل إلى جانب ذلك العلوم والرياضيات والكيمياء واللغة الأجنبية والرياضة البدنية والتربية الخلقية والوطنية ... إلخ.
ولتدريس هذه المواد بالغة العربية استقدمت وزارة التربة الوطنية عددا من الساتذة الشرقيين. ولحل مشكلة الكتب التي ينبغي أن تدرس بها جميع مواد البرامج الجديدة، أشعر قم التعليم العالي جميع مدرسي المواد الأصلية أو الحديثة بضرورة إعداد مذكرات بالدروس التي يلقونها على تلاميذهم قصد انتقاء الإصلاح منها بواسطة لجان فنية لطبعه وتقريره وقد شرعوا في إعداد هاته المذكرات منذ السنة الماضية ووصلت بعض النماذج بالفعل إلى الوزارة والأمل قوي في أن تحل هذه المشكلة العويصة في أقرب وقت ممكن بفضل مجهودات الأساتذة المختصين.
والجدير بالذكر أن القرويين استطاعت بحكم محيطها العريق في العربية أن تحقق -بسرعة- ما قررته الجنة الملكية من ضرورة تدريس جميع المواد باللغة العربية وإلى جانبها لغة فرنسية. وابتداء من السنة الدراسية المقبلة ستضاف إليها اللغة الإنجليزية بينما ستفتح في القرويين كلية للشريعة تشتمل على جميع المواد التي كانت تدرس في النهائي القديم من تفسير وحديث وأصول وفقه وخلاف عال وتاريخ ونصوص أدبية ولغوية، وتزيد عليها بدراسة مواد أخرى كالفلسفة الإسلامية وتاريخ التشريع الإسلامي ونظام الحكم في الإسلام والفرق الإسلامية إلى غير ذلك من الاقتصاد السياسي والقانون الدستوري والأنظمة السياسية وعلم الاجتماع والقانون الدولي العام والخاص والتجاري والإداري والمالية العمومية ... إلخ ولعلماء الشباب الحق في الحصول على شهادة الدكتورة في الشريعة الإسلامية بواسطة شهادة الدبلوم التي ستفتح أمامهم المجال للإعداد أطروحة هذه نظرة على عن ماضي القرويين وحاضرها نرجوا أن تكون ألقت ضوءا على بعض جوانب هذه المؤسسة العظيمة.
سدد الله الخطي وحقق الآمال في ظل عاهلنا المنصور المظفر والسلام.