وهو وإن كان يرى وجوب بث العقائد الصحيحة في النفوس ليتفهم الناس دينهم الصحيح، ألا أنه كان يلح على الناحية السياسية والحكومة النيابية، لأنه يرى من الخطأ القول «كيفما تكونوا يولى عليكم» بل «كيفما يولى عليكم تكونوا». وإذن لا سبيل لإصلاح العالم الإسلامي ألا عن طريق تغيير نظام الحكم. وكان يرى في الخليفة عبد الحميد العثماني مرضا خطيرا وسلا في رئة العالم الإسلامي، لأنه يمتنع عن تغيير نظام الحكم ويعتمد في عرشه على نظام جاسوسي وعلى دعايات فارغة يشيعها أعوانه بين المسلمين، مما كان يساهم مساهمة فعالة في نومهم وقعودهم عن مواجهة الأخطار بأنفسهم وبمسؤوليتهم، ولعل ضخامة الوسائل في تغيير الأنفس وتبديل الأفكار وإيجاد أمة جديدة مع الخطر المحدق بالعالم الإسلامي. كل ذلك كان يدفعه لاستعمال الإصلاح السريع عن طريق سياسي.
في الحقيقة إن مجرد تغيير أسماء لا يؤدي إلى تغيير أفكار وأرواح، وما نظن بنظام فقط، بل كان هدفه إيجاد نظام ديمقراطي يساعد على بث الفكرة التي يريدها والإصلاح الذي يرجو القيام به، لأن الإصلاح لن يرى النور في ظل نظام دكتاتوري متعفن يسوده حكم فرد يدعى أنه خليفة المسلمين، في حين يعمل على يد الأجانب وجمعية الاتحاد والترقي الرجعية أيضا.
فجمال الدين مع ذلك يرى وجوب نشر العقائد الصحيحة في النفوس، ولكن هذا يحتاج بالطبع إلى زمن طويل نسبيا. وجمال الدين يريد الإنقاذ بسرعة فائقة، لأن الخطر داهم وفي حالة الانقضاض، فهو كان يريد الإنقاذ والإصلاح في آن واحد. وقد يكون لطبيعته الهائجة الثورية الحادة تأثير في استعجاله الإصلاح عن طريق قلب نظام الحكم في العالم الإسلامي، وقد تكون هي السبب في عدم تخطيط جمال الدين لنظام إصلاحي دقيق، غير أننا نظن ظنا قويا أن للظروف التي كان يعيشها العالم الإسلامي تأثيرا أكبر في موقفه ذاك، إذا كانت تلك الظروف تنكر على نفسه شعوره بالمأساة التي آل إليها هذا العالم. أنه كان يرى وجوب إجراء عملية لنظام الحكم بتغييره إلى حكم نيابي، ليصبح الشعب شاعرا بمسؤوليته، مضطلعا بأعبائه، وليطلع على ما يحاك ضده من دسائس، وليعيش المشكلة بذاته قبل أن يفوت الأوان، وقبل أن تلقى الخلافة مصرعها على يد الاستعمار المتربص. ولقد حاول أن يدعو لفكرته في قلب العالم الإسلامي فلم يجد إلا التنكر لمبادئه من الملوك وأصحاب المطامع وبعض ذوي النيات الطيبة الذين نظروا إليه بعين ملونة بتلوين الدعايات المغرضة ومن وراء الجميع جهاز الاستعمار الموجه سرا وعلانية. وكان الطرد والتشريد والعنف جزاء وفاقا لأفكاره الخطيرة. إذن فليذهب لباريس، ليصدر مجلة «العروة الوثقى» بالتعاون مع تلميذه محمد عبده، وقد اتخذها وسيلة لتهييج العالم الإسلامي على الاستعمار الإنجليزي، كما ألف جمعية سماها باسم المجلة، ووضع لها نظاما حسب تجربته التي خرج منها في كفاحه وفي اتصالاته مع الأفراد والهيئات والجمعيات، وبالأخص الجمعية الماصونية التي كان قد انتسب إليها في بعض الأيام، غير أنه استقال منها بعد ذلك لاطلاعه على انحرافها، ويأسه منها في تحقيق أمنيته التي من أجلها انتسب إليها. وقد كافحت تلك المجلة وجاهدت وحثت المسلمين- وبالأخص المصريين- على العمل من أجل إحباط المؤامرات الإنجليزية. وعندما تتصفح عناوين المقالات المحررة في المجلة، نرى أكثرها سياسيا عنيفا مثل: «حيلة إنجليزية»، «فرصة يجب أن لا تضيع»، «نكاية الإنجليز»، «كيد الإنجليز في مصر»، «إخفاق سعي الإنجليز».وبجانب هذه الموضوعات ومثلها توجد بعض المقالات الأخرى التي تناقش «الطبيعيين» وتبحث في فكرة القضاء والقدر وفي أسباب رقي الأمم وانحطاطها. وكان شعار المجلة تحذير الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا، من تطاول الأجانب عليهم والإفساد في بلادهم. وقد خص المسلمين بالذات، لأنهم العنصر الغالب الذي غدر به الأجانب وأذلوا أهله أجمعين، واستأثروا جميع خيراتهم. وكان الغرض من تأسيس جمعية العروة الوثقى إعادة الحكم الإسلامي وهداية الدين إلى ما كان عليه من الطهارة والعدل والكمال في العصر الأول بتأسيس حكومة إسلامية على أساس الخلافة الراشدة في الدين وما تقتضيه حالة العصر لمجد الإسلام في أمور الدنيا.