تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رغبة من تلك الأشياء، فمن ذلك الحشرات التي تحمل اللقاح من زهرة إلى أخرى، والرياح، وكل شيء يطير أو يمشي ليوزع اللقاح، بل استطاع النبات أن يستخدم الإنسان وهو سيد هذه المخلوقات فصار الإنسان يحرث ويزرع، ويشذب كل ذلك يفعله خدمة للنبات لينمو وتتحسن حاله وعلى الإنسان أن يخزن الحب والثمار ويحفظها وإذا لم يفعل عوقت بالمجاعة، وانحطت المدنية، وعادت الأرض خرابا.

والطيور التي تؤخذ صغيرة من أعشاشها حين تكبر تصنع أعشاشها كأعشاش آبائها، وأمهاتها، وللعادات المتوارثة أصول بعيدة في ظلمات القدم، فهل هذه الأعمال نتيجة المصادفة أم نتيجة أعداد حكيم، أن في هذا لكفاية لإظهار العادات الوراثية التي نسميها بالغرائز، ولا نجد من بين أنواع الحيوان التي جابت الأرض طولا وعرضا مثل الإنسان في قوة التعليل، فهو وحده الذي نمى معرفته بالأرقام، فلو أن إحدى الحشرات عرفت عدد أرجلها لما أمكنها أن تعرف عدد أرجل اثنتين من نوعها لأن ذلك يتطلب التفكير وقوة التعليل.

وكثير من الحيوانات هي مثل سرطان البحر، الذي أذا فقد مخلبا، عرف أن جزءا من جسمه قد ضاع، بادر إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل الوراثة، ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل لانها تعرف بطريقة ما أن وقع الراحة قد جاء.

والحيوان المائي المعروف بكثير الارجل إذا قطع نصفين يقدر أن يصلح نفسه بواسطة أحد النصفين، وإذا قطعت نصفين يقدر أن يصلح نفسه بواسطة أحد النصفين، وإذا قطعت رأس دودة الطعم فإنها تسارع إلى صنع رأس بدله، ونحن نقدر أن نهيئ التئام الجروح ولكن متى يتمكن الجراحون إذا كانوا سيتمكنون أن يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتصنع ذراعا جديدة أو لحما أو عظاما أو أظفارا أو أعصابا، وهناك حقيقة مدهشة تلقى بعض الضوء على سر هذا الخلق من جديد: فإن الخلايا في المراحل الاولى من تطورها أن تفرقت تستطيع كل واحدة منها أن توجد حيوانا كاملا، لذلك إذا انقسمت الخلية الأصلية من تطورها أن تفرقت تستطيع كل واحدة منها أن توجد حيوانا كاملا، استطاع كل نصف أن يتطور إلى حيوان كاملا وربما يفسر ذلك التشابه الذي يكون بين التوأمين، ولكن يدل على أكثر من ذلك فإن كل خلية في البداية يمكن أن تكون حيوانا كاملا، وهذا ما يدلنا بلا شك على أن أحدنا موجود بأكمله في كل خلية ونسيج من جسمه، وهذه الطريقة العجيبة التي يمكن الإشارة إليها في سهولة وصدق في المزمور رقم 139ـ 14/ 16 من مزامير داود.

يقول المزمور: (أمجدك لأني خلقن بشكل رائع عجيب، أن أعمالك عجيبة، وأن نفسي لتعلم ذلك حق العلم، أن أصلي لا يخفى عليك حين خلقتني في الخفاء من أدنى أجزاء الأرض خلقتني في أحسن صورة، وكانت عيناك تريان أصلي قبل أن يتم خلقي، وفي كتابك كل أعضائي كانت مكتوبة واستمر تصويرها أن تتطور بها كل خلية إلى كائن حي مستقل قد وقعت بعد أن لم يكن واحد منها).

ويمكننا أن نكتب صفحات في عجائب الشعور الذي لا يزال في الوقت الحاضر وراء أدركنا، ولكن هذه الأمثلة كافية تماما لتدلنا على أنه لا يزال أمامنا كثير مما يجب أن نتعلمه.

ومادام الإنسان لا تتكون له حواس جديدة أو اختراع آلات ميكانيكية تساوي ما عند الحيوانات من القابلية فإن أمامه طريقا طويلا للتطور، أن كل قابلية توجد عند الحيوان ولا توجد عندنا هي تحد لذكائنا ونحن لا نزال ناقصي العلم إلى أن نجد جوابا لهذا التحدي أننا إلى الآن لا نستطيع أن نضع أسسا على معرفة ناقصة وإلى أن نملك كل حاسة ربحتها الكائنات الحية الأخرى، فإننا سنبقى عاجزين عن إدراك الإرتباط الحقيقي الذي بين قوانين الطبيعة، وسنبقى باحثين فيما لا نهاية له بفهم جزئي، أن التطور الروحي للإنسان هو للآن في البداية، والقيس الإلهي قد بدأ يسيطر في بطء على عقله المادي، وأخطاء الإنسان التي توصله إلى هلاك نفسه بيده، إنما هي مآسي طفولته، وزماننا إذا قيس بالأزل الماضي والأبد المستقبل، لا يزيد على دقة الساعة، لكن الروح التي فينا تتعلق بالأزل والأبد جميعا.

ونحن إذا فكرنا في الفضاء الذي لا يفتأ يمتد أمامنا، وفي الزمن الذي لا بداية له ولا نهاية، وفي القوة المقيدة والمحبوسة في الذرة، وفي الكون الذي لا حد له بعوالمه التي لا تحصى ونجومه التي لا تعد وفي الاهتزازات التي نسميها بالضوء والحرارة والكهرباء والمغناطيسية، وفي النشاط المستمر للنجوم، وفي الجاذبية وسيطرة القوانين الطبيعية على العالم، إذا فكرنا في ذلك كله أدركنا في الحقيقة أننا لا نعلم إلا قليلا، فكم يجب لأن يتقدم الإنسان قبل أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٢٥