تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغرب الاستعماري التي هي حضارة الفئات البرجوازية في الغرب والتي تحاول أن تستمر بالاعتماد على استثمار الشعوب وسرقة خيرات بلادنا، إن مقومات بقاء هذه الحضارة فقدت بالتالي مظهرها الإنساني، وهذه الصفة البشعة تنعكس بصورة تلقائية على سائر منجزات تلك الحضارة ومنها المنجزات الثقافية التي يمثل الفن أحد عناصرها.

إن الحضارة الإنسانية التي تسعى لخير البشرية تجعل المضمون الوطني الحياتي للفن أساسا، أما الشكل فهو وسيلة للتعبير وخاضع لمقتضيات المضمون، أما الحضارة الاستغلالية الاستثمارية فإنها تحطم المضمون وتهمله وتلفظه وتكتفي بالشكل لتجعل منه الأساس الذي تطرح بواسطته عندياتها. وهو أمر يزداد استفحالا عندما تشرف هذه الحضارة على الانهيار وتبدأ بمعاناة مخاض مصيرها الأخير. إن الحقيقة التي يدعمها المنطق التاريخي تؤكد أن الاهتمام بالشكل واحتقار المضمون لأي نشاط إنساني ظاهرة من ظواهر تحلل الحضارات التي فقدت أسسها البنائية.

ولنأخذ كمثال، منجزات الحضارة العربية عندما أحكمت عليها عصور الانحطاط ودخلت في عهود الظلام.

نرى الأدب العربي يفقد مضمونه الحي ويصبح بهلوانية شكلية تعتمد على التلاعب بالألفاظ واختيارها والبحث عن موسيقاها السطحية، والمقامات التي اختارت سبيل السجع اللفظي نموذجا لهذا الانحراف المؤلم.

بل وحتى مظاهر الحياة الدينية التي كانت منطلقا للحضارة العربية، فقدت في ذلك الطور مضمونها الديني النبيل لتصبح طقوسا شكلية وأوهاما خرافية وتصوفا بليدا.

إن كل نشاط إنساني للحضارة العربية وعلى الأخص مظاهرها الثقافية، في عصور الانحطاط، قد فقد مضمونه الحياتي البناء، وبقي هيكله القشري وشكله الخارجي الأجوف يتفنن المفكرون الشكليون في تزيينه.

هناك ولا شك أعمال فردية قد تكون شذت عن هذا الانحراف، كمؤلفات ابن خلدون، ولكنها كانت تبدو كظواهر شاذة بالنسبة للقاعدة العامة السائدة. إن الفن الحديث في الغرب إذا فهمناه على أساس هذا التحليل الحضاري، وإذا وضعناه في إطار الواقع التاريخي الحالي للحضارة البورجوازية للغرب الاستعماري، عرفنا أنه تعبير عن إفلاس ثقافة وتحلل حضارة تشرف على الموت لم تعد تستجيب لما تحتاجه الشعوب من قيم بناءة تعينها على كفاحها في سبيل بناء حضارة جديدة تستمد بقاءها من التعاون والتآخي والسلام وليس من الاستثمار والعدوان والحرب.

ولكن روح الإنصاف يجب أن تدفعنا ونحن ندين حضارة الغرب الاستعماري ومنجزاتها الثقافية إلى أن نشير إلى ناحية إيجابية من هذه المنجزات، وهي التطورات التكنيكية العلمية التي تنعكس في الفن الحديث بظهور اتجاه منه يعتمد على أسس عليمة يخضع لها تنظيم عناصر الشكل، وهو اتجاه مفيد وضروري للحياة المعاصرة، كالفن التجريدي العلمي الذي نرى تطبيقاته متداخلة في فنون البناء والعمار والإعلانات وطوابع البريد وأثاث المنازل وتنظيم المعارض الدولية ولعل معرض بروكسيل الدولي بالأجنحة التي ضمها كان نموذجا رائعا للتطبيقات الإيجابية للفن التجريدي العلمي.

وحتى لو استفيد من أساليب هذا الفن في منجزات فن التصوير، فمن الضروري أن تظل هذه الاستفادة خاضعة لمقتضيات المضمون دون أن تفقد كونها وسيلة للتعبير ولتنظيم عناصر الشكل في الصورة، من توزيع ألوان وتنسيق المساحات وربطها وتوازن محتويات المضمون، الأمر الذي يجعله أقوى تعبيرا وأصدق تأثيرا.

من خلال هذا المنظور للفن الحديث يمكن للفنان المغربي أن يواجهه، أي أن يواجهه عن تفكير علمي تاريخي ليعرف ما يختار منه وما يلفظه.

أما إذا انغمس فيه بدون هذا الوعي ولمجرد الطموح الطفلي المنحرف إلى الأخذ بمظاهر عصرية للفن لها وجوه فوضوية كثيرة خادعة، فإنه بذلك سيقع أسير فوضى فنية وهستيريا مؤلمة تحطم الأسس الأنانية الوطنية الأصيلة لمواهبه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٠٦