تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 .................... ص20

علبة سجائرها الجلدية القديمة على أرنبة أنفها وتثنيها وهي تقول: "هذا أنف ابني العزيز ليفوتشكا"، فكانوا يتضاحكون. أما أنا فكنت أحمر خجلا لها، ولكنني كنت أظل صامتا لأنه كان يجب علي أن لا أتكلم في حضرة المحسنين إلي وإلى أمي، كنت أكرههم لأنهم كانوا ينظرون إلي كما لو كنت جلمودا، ويدفعون إلي بأيديهم في كسل وتقاعس لأجل أن أقبلها. كنت أكرههم وأخافهم كما لا أزال أكره وأخاف كل شخص خشن واثق بنفسه متعال، مستهتر، كخطباء النوادي والأساتذة الشيوخ ذوي الوجوه الحمر الذين يتشدقون بالحرية، ورجال البيع والكنائس، وضباط البوليس، وأطباء النساء الذين يرددون دائما نصوص العرائض والبيانات، أولئك الذين تحس بأن أرواحهم أبرد من قطع الرخام الموضوعة على الموائد، كنت أشعر وأنا أتكلم معهم بأن على وجهي علامة مقيتة كانت تضايقني، وكنت أحتقر نفسي بسبب الضعف الذي كان يعتري صوتي، وهو الضعف الذي كنت أستطيع أن ألمس فيه تأثير أمي. إن أرواح هؤلاء الناس أرواح ميتة، وأفكارهم التقليدية تسير في خط مستقيم، وقد بلغت قلة رحمتهم مبلغا من البلادة لا يطاق.

* * *

قضيت ثلاث سنوات - بين السابعة والعاشرة - في مدرسة من مدارس الإحسان، وهي التي كان يشرف عليها عوانس من أولئك اللائي يعانين جميعا عقدا نفسية، فكن يبثثن فينا روح الانصياع، ويعلمننا كيف يتجسس بعضنا على بعض، ونرى أقاصيص الآخرين، وكيف نتحاسد، ثم - وهذا هو الأهم - كيف يكون سلوكنا أهدأ ما يمكن؟ ولكننا نحن الذكور علمنا أنفسنا أن نسرق ونخون. ثم بعد ذلك، دخلت مرة أخرى إلى مدرسة الثانوية من مدارس الإحسان، كان المفتشون فيها يزوروننا ويتجسسون علينا، كنت أتعلم كما تتعلم الببغاء، تعلمنا كيف ندخن ثم كيف نشرب الخمر، ثم كيف نتصرف كما تتصرف أردأ العواهر. ثم فجأة انطلقت في نفسي ريح تحمل كلمات جديدة، وأحلام الحرية، والأفكار الملتهبة، فتفتح فكري لاستقبالها، ولكن روحي كانت قد اندثرت، لقد تعلق بي الضعف تعلقا لا يزول مهما حاولت أن أقضي عليه أو أقل منه.

لم أكن الوحيد الذي مات في هذا الوباء الروحي، ولو أنني كنت أضعف الجميع. ولكن الجيل الماضي ترعرع في جو من الزندقة الهادئة، في جو من احترام الكبار وهو أخرس وفاقد للشخصية. وهذه لعنة من لعنات الصمت والفقر، كانت سببا في تكوين حياة هادئة تنمو في ظل الخرس. ذلك أن تجرد الروح الإنسانية من الشعور أفدح وأبلغ أثرا من جميع المجازر التي مرت في العالم البشري.

وإنه لمن الغريب أن أقول إنني حينما أكون على انفراد لا أشعر مطلقا بأنني جبان، بل أشعر بأنه لا يوجد أحد على استعداد مثلي للمخاطرة بحياته، كنت أرى نفسي أرتفع في السماوات مشرفا على العالمين. كنت أسبح بيدي في داخل البحر حتى يؤثر ذلك على يدي ورجلي وحتى لا يعود في استطاعتها أن تتحرك، فأستلقي على ظهري لأجل أن أتلخص من التعب. كنت أحلم بكثير من مثل هذه الأشياء. ولأجل أن أختصر أقول: إنني، سأقتل نفسي بعد عشر دقائق، وهذا شيء مهم، ولكنني أخشى الناس، إن الناس يرعبونني، إنني حينما أسمع من غرفتي السكارى وهم يتشاتمون ويتصارعون في الشارع، يتملكني رعب شديد، وحينما أتخيل في الليل - وأنا مستلق على سريري - جنود القوزاق وهم يخترقون الساحة الواسعة، على جيادهم المرعدة، أشعر بدقات قلبي تقف، وبجسمي برودة غامضة، وبأصابعي تنقبض في يدي، إنني أخشى دائما شيئا يوجد في معظم الناس، ولكنني لا أعرفه، فالجيل الحديث كله يعاني كما أعاني فترة الانتقال هذه. نحن نحتقر عبوديتنا، أما التذمر الذي نشعر به فهو عميق، ولكن لا تأثير له، لما جبل عليه من الصبر.

وأنت تعرف كل شيء ولاشك، وسوف تشرحه لرفقائنا الذين أقول لهم قبل أن أموت إنني بالرغم من كل شيء أحبهم وأحترمهم. ربما صدقوك حينما تقول لهم إن السبب الرئيسي في موتي- وهو خارج عن إرادتي- لم يكن لمجرد خيانتي لهم، فأنا أعرف أنه لا توجد في العالم كله كلمة أبشع من "خائن"، إنها حرية في انتقالها من الشفاه إلى الآذان بأن تصرع الناس وهم أحياء، وقد كان من الممكن أن أصلح أخطائي لو لم أولد وأترعرع في مهد العبودية والجهل والبلادة، ولكنني الآن أموت لأنني عبد حقير، فإن من المنكر، بل ومن المستحيل على شخص مثلي، أن يعيش في هذه الأيام العجفاء ....

أجل يا عزيزي، لقد سمعت ورأيت وقرأت كثيرا في هذه السنة، وأقول لك إنه قد آن لبركان الخراب أن ينفجر، وإن نيران الغضب قد آن لها أن تندفع وتغمر كل شيء، فتجرف الخوف من المستقبل، وأحترم الآباء، وحب الحياة، وألعاب العائلات السعيدة. إنني أعرف كثيرا عن الأطفال الذين رفضوا أن تعصب أعينهم قبل أن يرموا بالرصاص، وأعرف كثيرا عن الذين تحملوا العذاب دون أن ينبسوا بكلمة، كان ذلك سببا في انطلاق الرياح ... لقد انشق بيض الدجاج عن صقور .. فليحاول من أراد أن يعترض سبيلها.

إنني لمتأكد تماما، من أن أطفال اليوم يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم في ثبات وفي حكمة، وربما غضب أمام جميع الرؤوس المتوجة، وأمام جميع رؤساء الشرطة في أروبا، وفي أية قاعة من القاعات الملكية ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٥