تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نتيجة التفاعل بين العرب وغيرهم أن فقد المسلمون كثيرا من خصائصهم الفاضلة على مر الزمن، واستطاع الدخلاء والمتآمرون على الإسلام أن يؤثروا على المجتمع الإسلامي في حياته العامة والخاصة وكانت نتيجة ضعف الوعي العام وقلة الحذر مما يهدم الحضارة الإسلامية أن استسلم المسلمون إلى نوم عميق واتخذوا المؤخرة مستقرا لهم حيث لا ازعاج هناك، وجمدوا كذلك قرونا طوالا يتحكم في سلوكهم غرور أرعن: يحجب عن أعينهم حقائق الحياة وسنن التاريخ (وربما كان أشد البلاء الذي نزل بهم أنهم لم يفطنوا إلى تدهورهم (1) وأخطر من المشكلة الجهل بها وعدم تقدير خطورتها أو تشخيصها تشخيصا اعتباطيا أو مزيفا لأن ذلك ما هو إلى إعطاء الفرصة لها كي تتعقد ويتراكم عليها غيرها، حتى تحدث بعبئها الثقيل تصدعا في الصدح وتهيئه لأن يتناثر لأقل صدمة كما تناثر العالم الإسلامي عندما هاجمه الاستعمار الغربي.

ولكن هذا «العالم الإسلامي» على الرغم مما حل به من ويلات عبر التاريخ: من فتنة كبرى إلى انقسام داخلي إلى هجوم التتار والصليبيين إلى الاستعمار أخيرا ما يزال محتفظا ببقية من الحياة: بشيء ولو قليل من ذلك الإشعاع الرباني، بخميرة روحية، وهي ذلك الاستعداد الذي يتجاوب مع صيحة المصلحين الذين لم يخل منهم التاريخ الإسلامي إلى اليوم على الرغم مما يلاقونه من مقاومة جبارة من لدن أعداء الإسلام: «المواطنين» و «الأجانب».

وقد عرف العالم الإسلامي نوعين من القيادة أو من مريدي الإصلاح: نوعا مضللا عن سوء نية أو عن غفلة، ونوعا يعتمد على الأسس التي اعتمد عليها المسلمون أول الأمر في بناء شخصيتهم، وما جاءت دعوة إصلاحية حقة إلا صادفت مقاومة وحربا عوانا من مختلف الجهات، فعندما حاول المسلمون النهوض في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا للتخلص من أسباب الانحطاط ولإنقاذ البلاد الإسلامية مما يهددها من استعمار وجدوا أمامهم قوة خطيرة تحاربهم ليس في الميدان الحربي بل في الميدان الفكري: فكانت حركة الاستشراق إحدى جوانب تلك الحرب بما استعملته من وسائل التضليل وقلب الحقائق والدس والمكر، وقد وجد الاستعمار في «بعض» المسلمين من هم على استعداد لبيع ضمائرهم وتقديم خدمات جلى في الميدان الديني والعلمي لمصلحة الاستعمار وأهدافه.

فتأسست مذاهب وابتدعت أفكار وتكونت أحزاب و «مدارس» القصد منها مقاومة الإصلاح بوسائل التهريج على المسلمين، وفي ذلك يقول أستاذنا مالك في أنشودته الرمزية الرائعة: «ها هم ينصبون الآن على باب المدينة التي تستيقظ، السوق وملاهيه لكي يميلوا هؤلاء الذين جاءوا على أثرك ويلهوهم.

وها هم قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرجين والبهلوانات لكي تغطي الضجة على نبرات صوتك.

وهاهم قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا أضواء النهار ...

وها هم قد جملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة (2)».

ولهذا كان على الإصلاح أن يحارب في واجهتين، واجهة الاستعمار الصريح وواجهة الاستعمار الخفي الذي يتقمص «شخصيات إسلامية» وأفكارا تجديدية صادرة عن المسلمين ويكمن خلف مؤسسات ومنظمات وكتب ونشرات يوجهها حيث يريد، ولكي يتقن المؤامرة يلبس بعلها أثوابا علمية-وما العلم حينئذ إلا عنوانا كاذبا لا يدل على معناه المقدس - وهذه الواجهة أخطر على المسلمين من الواجهة الأولى بما لديها من فعالية مضللة وخداعة، وبما تتوفر عليه من قوة النفوذ إلى نفوس البسطاء والمغرورين والمرضى بحب الظهور عملا بقاعدة «خالف تعرف» وهذه الناحية من المؤامرة على الإسلام لا تزداد إلا حدة وتكاثرا مع الأيام، بما نشاهد من سريان أفكار غريبة عن الإسلام تتردد في أجواء تحتاج لمناقشة أو برهان (3). وإذا قمنا بمقارنة تاريخية تبين المؤامرة الحديثة والمؤامرات القديمة على الإسلام فسنجد تشابها كبيرا في الأهداف بل وفي كثير من الأساليب كتزييف نصوص دينية وتأويلها

(1) الإسلام بين أمسه وغده - للدكتور محمود قاسم

(2) شروط النهضة ومشكلات الحضارة ص16 للأستاذ مالك بن نبي

(3) ان المراكز الثقافية الأجنبية في البلاد الإسلامية أخطر علينا من المراكزالعسكرية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٤٤