تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومخلفاته أدبرت إلى غير رجعة، لتدع المجال فسيحا للتساوي والتراضي والتعاون في الميادين البناءة، وإقامة العلائق على أساس الأخوة والمودة والاحترام المتبادل? و لكن الأحداث توالت بسرعة مدهشة وتطورت من سيء إلى أسوأ، وظهر استعمار جديد بأساليب جديدة وأشكال متنوعة، وتبين أن سلفه لم يسامح في السيطرة الإدارية والسياسية السافرة، إلا للمحافظة على الامتيازات الاقتصادية، والاستحواذ على المواد الستراتيجية، والإبقاء على القواعد العسكرية وتكثير عدد التوابع التافهة الدائرة في فلكه، وبالطبع وقفت الدول الاستعمارية صفا متراصا ترعى الوليد الجديد، فكان الذي شاهده العالم بحسرة ومرارة من تمزيق وحدة الكونغو، وإقامة حكومة صنيعة في أجزاء منه، وتشجيع حركات الانفصال والعصيان على سلطته الشرعية، وتعطيل المؤسسات التمثيلية والحياة الدستورية، وإقصاء الحكومة الوطنية المتمتعة بثقة البرلمان وتأييد الشعب، واعتقال رئيسها الوطني السيد لومومبا، ومعاملته معاملة مزرية، وتأجج نار الحروب الأهلية بالبلاد، وتعرض سكانها لمجاعة فتاكة، أخذت تنشب فيهم بالفعل مخالبها وتغرز براثنها.

إخلال الأمم المتحدة بواجبها

ولقد كان من المنتظر أن تقوم منظمة الأمم المتحدة برد فعل شديد إزاء التآمر السافر على شعب الكونغو واستقلاله، لأنها هي الحكم في النزاع بواسطة السلطة التي وكلت إليها مهمة تنفيذ مقرراتها، ولأنها هي التي تملك في عين المكان الوسائل المادية التي لا يجرؤ الاستعمار الجديد على الاصطدام بها، ولأنها هي الهيأة التي استغاثت بها حكومة الكونغو، ووضع شعبه فيها كامل الثقة، وعلق عليها كل آماله، وفتح ذراعه لرجالها المدنيين والعسكريين مرحبا مستبشرا، كما يرحب ويستبشر الغريق بوصول زورق الإنقاذ؛ ولكن منظمة الأمم المتحدة لم تقم -ويا للأسف- بمواجهة الحالة بالوسائل المطابقة لالتزاماتها، ولم تنفذ حتى القرارات التي اتخذتها؛ وهكذا رأينا حكومة الكونغو الشرعية تمنع من حقها في الاتصال بالخارج ومخاطبة الرأي العام في بلادنا، في الوقت الذي كانت أصوات الاستعماريين معبأة للدعاية ضدها، وطياراتهم تتدفق بالمال والسلاح والمسيرين على المطارات الخاضعة لسيطرة الانفصاليين على مرأى ومسمع من ممثلي الأمم المتحدة دون أن يحركوا ساكنا.

فبسبب هذه هذه المواقف شجعت الاستعماريين على الاستمرار في تصرفاتهم، تمكن الاستعمار من العودة إلى الكونغو والقبض على أزمة أموره من جديد. وحادت الأمم المتحدة عن الخطة التي حددت لها ووكل إليها تنفيذها، فأصبحت بذلك متعرضة لامتحان شديد من شأنه أن يضعضع كيانها ويفقدها نفوذها ويقضي على الثقة الموضوعة فيها.

نداء إلى رؤساء الدول

وإننا بهذه المناسبة، نهيب بالضمير العالمي، ونلفت أنظار رؤساء الدول والقابضين على أزمة السياسة العالمية بالخصوص، لينظروا نظرة جديدة في المأزق الحرج الذي توجد فيه المنظمة الآن بسبب ذلك الانحراف، ونذكرهم بما آلت إليه جمعية الأمم السابقة، عندما عجزت سنة 1936 عن إيقاف العدوان على الحبشة وسلمت بالأمر الواقع، ونحن إذ نوجه هذا النداء، إنما يدفعنا اعتقادنا بضرورة بقاء منظمة الأمم المتحدة لخير البشرية، وتشبثنا بمبادئنا السامية وأهدافها النبيلة، ورغبتنا في أن تستمر منبرا تتبادل الدول فوقه الرأي وأداة لتقارب الشعوب وتعاونها والدفاع عن الحق والعدل ومقاومة الطغيان والعدوان، إذ في عجزها عن القيام بواجباتها، وإخفاقها في أداء مهامها، خطر كبير على العالم. وقد أخذت أشباح ذلك الخطر تتراءى وتبرز بوضوح، بعدما انتهت مداولات الجمعية العامة ومجلس الأمن دون اتخاذ أي قرار إيجابي، رغم استفحال الحالة في الكونغو وازديادها تأزما. وإنه ليخشى أن تجتمع غدا لإعادة النظر في الموضوع ولكن بعد فوات الأوان.

الأسباب التي دعتنا لسحب قواتنا من الكونغو

فإزاء هذه الحالة التي تتجسم خطورتها في تمزيق وحدة الكونغو وتعطيل حياته الدستورية ومؤسساته التمثيلية، وإقصاء حكومته الشرعية واعتقال رئيسها، واتقاد نيران الحرب الأهلية فيه، وتعرض سكانه لأخطار المجاعة، قررنا يوم 12 دجنبر سحب القوات المغربية العاملة هناك تحت راية الأمم المتحدة، حتى لا نكون مشاركين في سلوك سياسة مضرة بشعب الكونغو، منافية لمصلحة التحرير الإفريقي، مخالفة لمقررات منظمة الأمم المتحدة، مصادمة لضميرنا ومثلنا العليا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٢٨