تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا المثل هو الذي جعل العربي يحرص أكثر من غيره على القيم الخلقية السامية القيم التي لا تشوبها مصلحة ولا يداخلها نفع، القيم التي تتجاوز الثروة والجاه وتتجاوز حتى المعرفة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

ومن هذا المثل الأعلى أيضا كان اعتقاد العرب أنهم خير أمة أخرجت للناس، واختارها الله لا لينقل بها إرادته إلا هذا العالم، بل ليحقق بها هذه الإرادة، فنصرة الضعيف، وحماية المظلوم، وعدم التميز بين الناس، في العرق والدين واللغة كلها مبادئ كانت تلهب حماس الإنسان العربي وتدفعه إلى القيام بأروع البطولات لأنها كانت تتجاوب مع مثله الأعلى الذي علق عليه كل وجوده ووقفت حياته كلها لتحقيقه.

ليس معنى كلامنا هذا أن الأمة العربية ليست في حاجة إلى الاقتباس، أن الأمة العربية خلال تاريخها الطويل لم تنكمش على نفسها، بل أن عبقريتها تجلت في تمثلها لحضارات مختلفة نتج عنها تركيب نوعي جديد يختلف عن العناصر التي كونته وأسهمت فيه، وذلك لسبب بسيط هو أن الحضارة العربية كانت دوما نسيجا متجددا يتم حول نواة ثابتة خالدة هي المثل الأعلى الذي حدد نظرة العرب إلى الوجود.

إن الاتصال والاقتباس ليسا سوى تجاوب حي مع المرحلة التاريخية الحاضرة وليسا سوى تفاعل ضروري مع التجارب الإنسانية، والأمة التي تريد أن تعطي لا بد أن تأخذ.

دعوة الحق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٢٥